إعادة بناء الهياكل العسكرية والأمنية: دمج أم حل؟

خلاصة رئيسية: تقترح الوثيقة نهجًا براغماتيًا و”تمييزيًا” في التعامل مع المؤسسات العسكرية والأمنية: فبدلاً من الحل الكامل والتطهير الواسع، تؤكد على إعادة البناء الهيكلي، ودمج القوات المحترفة، ومحاكمة القادة ومرتكبي الجرائم. هذه الاستراتيجية ذكية ومستنيرة بالتجارب العالمية، لكنها تواجه تحديات تنفيذية هائلة في تعريف الخط الفاصل والواضح والقابل للتنفيذ بين “القوات المحترفة” و”العناصر الأيديولوجية”.

نقطة نقدية: الجزء الأصعب في هذه الخطة، والذي سيحدد نجاحها أو فشلها، هو تعريف خط أحمر يتسم بالشفافية والعدالة. كيف يمكن التمييز بين عنصر عادي في الباسيج كان موجودًا في قاعدة لمجرد الحصول على إعفاء من الخدمة العسكرية، أو مهندس تقني في مشروع مدني للحرس الثوري، وشخص لعب دورًا مباشرًا في القمع؟ لا تقدم الوثيقة تفاصيل كافية حول “آلية” هذا التمييز الحاسم.

مقدمة: السيف ذو الحدين للمؤسسات الأمنية في المرحلة الانتقالية

يعد مصير القوات المسلحة والمؤسسات الأمنية للنظام السابق أحد أكثر القرارات تعقيدًا ومخاطرةً التي تواجه أي حكومة انتقالية. هذه المؤسسات سيف ذو حدين: فمن ناحية، يعتبر كادرها المهني وقدرتها العملياتية ضروريًا للحفاظ على سلامة أراضي الدولة ومنع حدوث فراغ أمني؛ ومن ناحية أخرى، تشكل أقسامها الأيديولوجية والقمعية التهديد الأكبر لاستقرار النظام الجديد. إن اختيار استراتيجية خاطئة يمكن أن يجر البلاد بسهولة إلى حرب أهلية.

وثيقة “المرحلة الاضطرارية”، بذكاء واستلهام من التجارب العالمية المريرة، تختار نموذج “الإصلاح والتمييز وإعادة البناء” بدلاً من الخيارات المتطرفة مثل التطهير الشامل أو الإبقاء على الهيكل بالكامل.[١، ص ٦٩] يسعى هذا النهج إلى الحفاظ على التماسك الوطني والاستفادة من القدرات الفنية القائمة. في هذه المقالة، مع الإشادة بهذه الرؤية الاستراتيجية، سنقوم بتحليل التحديات العملية لتنفيذها، خاصة فيما يتعلق بالكيانات المعقدة مثل الحرس الثوري (سباه) والباسيج.

منطق البقاء: لماذا يعتبر “الدمج” أفضل من “الحل”؟

إن قرار الوثيقة بتجنب التطهير الواسع (“الاستفادة من تجربة العراق وعام ١٩٧٩”) والتركيز على استيعاب أكبر قدر ممكن من الكوادر المهنية هو نقطة قوة استراتيجية.[١، ص ٧٠] يدعم هذا النهج سببان رئيسيان:

  1. منع الفراغ الأمني: الحل المفاجئ للمؤسسات العسكرية والشرطية من شأنه أن يترك البلاد عرضة للتهديدات الداخلية (مثل العصابات الإجرامية أو الجماعات الانفصالية) والخارجية.
  2. الحيلولة دون نشوء جيوش متمردة: تجربة حل الجيش العراقي، التي أدت إلى تسريح عشرات الآلاف من العسكريين المدربين فجأة، والذين شكلوا فيما بعد نواة الجماعات المتمردة والإرهابية مثل داعش، تُظهر مدى الكارثية التي يمكن أن يؤول إليها هذا النهج.

إن الاستراتيجية التي تقترحها الوثيقة، والتي تؤكد على المسؤولية الفردية بدلاً من العقاب الجماعي، ليست أكثر عدلاً فحسب، بل هي أيضًا أكثر ذكاءً من منظور الأمن القومي.

الغموض والمخاطر الرئيسية: تحديات التمييز والتنفيذ

على الرغم من المنطق القوي، يعتمد نجاح هذه الخطة على تجاوز ثلاثة تحديات عملية صعبة للغاية:

١. تحدي تعريف الخط الأحمر: الحد الفاصل بين “المهني” و”المجرم”
الغموض الأكبر في الوثيقة هو غياب آلية دقيقة للتمييز بين الأفراد الذين يمكن استيعابهم وأولئك الذين يجب محاكمتهم أو فصلهم. تؤكد الوثيقة بحق على “التمييز بين الولاء للنظام والأعمال الإجرامية”،[١، ص ٦٩] ولكن كيف سيتم تنفيذ ذلك عمليًا؟ هل مجرد العضوية في مؤسسات مثل الحرس الثوري أو الباسيج تعني المشاركة في الجريمة؟ أم أن المعيار هو المشاركة المباشرة في عمليات القمع أو التعذيب أو الفساد المالي المنظم؟ بدون مبادئ توجيهية واضحة، يمكن أن تتحول هذه العملية بسهولة إلى تصفية حسابات شخصية، أو ظلم، أو إفلات الجناة الرئيسيين من العقاب.

٢. المخاطر الأمنية والاجتماعية لحل الحرس الثوري والباسيج
تقترح الوثيقة بحق حل الهياكل الموازية والأيديولوجية مثل “منظمة استخبارات الحرس الثوري” و”منظمة تعبئة المستضعفين (الباسيج)”.[١، ص ٧٦-٧٧] هذه ضرورة لإرساء نظام ديمقراطي. لكن هذه المؤسسات، وخاصة الباسيج، لديها شبكة واسعة ومتغلغلة في جميع أنحاء البلاد. إن حلها بالكامل دون تقديم خطة بديلة لمستقبل أعضائها، يمكن أن يترك مئات الآلاف من الأشخاص، وكثير منهم من الفئات الضعيفة التي تعتمد على هذا الهيكل معيشيًا أو اجتماعيًا، محبطين وعرضة للانضمام إلى الجماعات المتطرفة.

٣. تحدي إعادة التأهيل وتغيير الثقافة المؤسسية
إن الدمج الناجح للقوات المتبقية في جيش وطني جديد هو أكثر من مجرد تغيير هيكلي؛ إنه يتطلب ثورة ثقافية. فالجيش الذي تم تدريبه لعقود على عقيدة “العداء للعالم” و”الولاء لأيديولوجية معينة” يجب أن يتحول إلى مؤسسة مهنية ووطنية ومحايدة سياسيًا. تشير الوثيقة إلى هذا الأمر، ولكن لا ينبغي الاستهانة بمدى تعقيد واستهلاك الوقت لعملية “إعادة التأهيل” و”تغيير الثقافة”. يتطلب هذا التحدي برنامجًا وطنيًا واسعًا واستثمارًا جادًا.

الادعاء الرئيسيالأساس في الوثيقةتدقيق الحقائق / مصادر داعمةالمخاطر والغموضاقتراحات عملية
النهج التمييزي (دمج الكوادر، محاكمة القادة) هو الطريق الأفضل.تؤكد الوثيقة على “التمييز بين الولاء للنظام والأعمال الإجرامية” واستيعاب أكبر عدد من الكوادر المؤهلة. [١، ص ٦٩، ٧٥]تجربة جنوب إفريقيا في دمج قوات أمن نظام الفصل العنصري (SADF) مع مقاتلي المؤتمر الوطني الإفريقي (MK) في جيش وطني جديد (SANDF) هي مثال ناجح لهذا النهج.تحدي التنفيذ: تعريف الحد الفاصل بين المشاركة في الجريمة وأداء الواجب المهني صعب للغاية. يمكن أن تؤدي العملية إلى تصفية حسابات شخصية أو إفلات الجناة الرئيسيين.تشكيل فوري لـ “لجان تقصي الحقائق والتدقيق” المستقلة على مستوى المحافظات، بمشاركة حقوقيين وممثلي المجتمع المدني ومراقبين دوليين لمراجعة الملفات بناءً على معايير شفافة ومحددة مسبقًا.
الحل الكامل للحرس الثوري والباسيج ودمج أجزاء منهما في الجيش.يقترح جدول التقييم الهيكلي “الحل الكامل والدمج الهيكلي” لأجزاء مختلفة من الحرس الثوري و”حل المنظمة” للباسيج. [١، ص ٧٦-٧٧]في ألمانيا الشرقية بعد سقوط جدار برلين، تم حل جيش الشعب الوطني (NVA)، لكن أفراده (باستثناء كبار الضباط وأعضاء شتازي) مُنحوا فرصة للتقدم بطلب للانضمام إلى الجيش الألماني الفيدرالي.مخاطر أمنية واجتماعية: الحل الكامل لهذه المنظمات الواسعة سيترك مئات الآلاف من الأفراد المدربين عاطلين عن العمل، مما قد يؤجج إنشاء جماعات مسلحة غير قانونية أو عدم استقرار اجتماعي.إنشاء “برنامج انتقال مهني” للأعضاء ذوي الرتب الدنيا في الكيانات المنحلة. يمكن أن يشمل هذا البرنامج التدريب المهني، وقروض ريادة الأعمال، والخدمات الاستشارية لتسهيل إعادة دمجهم في المجتمع المدني.

خاتمة واقتراحات عملية: خطوة نحو العدالة والاستقرار

إن النهج التمييزي الذي تقترحه الوثيقة هو مسار صحيح واستراتيجي. ولكن لكي ينجح في التنفيذ، فإنه يحتاج إلى آليات دقيقة وشفافة وعادلة. في هذا الصدد، نقدم اقتراحين محددين:

١. التشكيل الفوري لـ “لجان التدقيق والعدالة الانتقالية”: يجب أن تكون هذه اللجان هيئات مستقلة وغير سياسية ومحلية، تُشكل في كل محافظة بمشاركة حقوقيين مرموقين وعلماء نفس وممثلين موثوقين من المجتمع المدني وعائلات الضحايا. مهمتها لن تقتصر على مراجعة الملفات الفردية بناءً على معايير معلنة مسبقًا، بل ستشمل أيضًا الاستماع إلى الشهادات وإنشاء سجل تاريخي للجرائم المرتكبة. هذه العملية تفصل العدالة عن الانتقام وتساعد في تضميد جراح المجتمع.

٢. تصميم “برنامج وطني للانتقال والعودة إلى المجتمع”: بالنسبة للأعضاء ذوي الرتب الدنيا في المؤسسات المنحلة الذين لم يكن لهم دور مباشر في الجرائم، يجب تصميم برنامج وطني. يمكن أن يشمل هذا البرنامج توفير التدريب الفني والمهني لاكتساب مهارات جديدة، وقروض صغيرة لريادة الأعمال، وخدمات استشارية نفسية لتسهيل عودتهم إلى الحياة المدنية. هذا النهج، مع تحقيقه للعدالة، يمنع نشوء أزمة اجتماعية وأمنية جديدة.

من خلال الجمع بين العدالة الانتقالية وبرامج الدعم الذكية، يمكن تجاوز هذا الانتقال المعقد والمحفوف بالمخاطر بنجاح، وإرساء أسس قوة مسلحة وطنية، مهنية، وموثوقة من قبل الشعب.

دعوة للمشاركة: برأيك، ما هي المعايير الرئيسية للتمييز بين القوة المهنية وعميل القمع في مؤسسات مثل الحرس الثوري والباسيج؟ هل لديك تجربة شخصية أو معلومات يمكن أن تساعد في توضيح هذه الخطوط الحمراء؟ شاركنا بآرائك.



المصادر

١. مشروع ازدهار إيران: مرحلة الطوارئ، أغسطس ٢٠٢٥.

This page is also available in: English فارسی Georgian (Georgia) עברית

hadi khabbaznouri
hadi khabbaznouri
Articles: 2374

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *