الأبعاد البشرية والإعلامية والأمن الناعم لبرنامج إيران النووي

هندسة السرد الداخلي: الهوية الوطنية وفخر نووي

منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، قدم قادة إيران البرنامج النووي بوصفه ركيزة للهوية الوطنية ومصدراً لفخر سيادي. فرفع الخطاب الرسمي «الحقوق النووية» إلى مبدأ شبه مقدس. ويصور آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى منذ عام 1989، الطاقة النووية مراراً بوصفها «حقاً غير قابل للتصرف» للأمة الإيرانية – رمزاً للتقدم العلمي والتنمية الاقتصادية والاستقلال [1]. وفي خطاب له عام 2005 وسط تزايد الضغوط الدولية، شدد خامنئي على أن «الطاقة النووية هي الحق غير القابل للتصرف للأمة الإيرانية؛ فهذا علم، وهذه تكنولوجيا، وهذه حماية للبيئة… وهي أمل شبابنا في التنمية، ولا شك أن أمتنا لن تتخلى عنها» [1]. ويظهر هذا الخطاب السعي النووي كأنه ليس خياراً سياسياً فحسب بل مهمة حضارية، رابطاً إياه بصورة إيران عن نفسها كحضارة فخورة ومستقلة تقف في وجه الهيمنة الغربية.

1979
11 فبراير 1979: الثورة الإسلامية في إيران – أُرسِي مبدأ الاعتماد التكنولوجي الذاتي كاستراتيجية أساسية للجمهورية الإسلامية.
1989
4 يونيو 1989: عُيّن آية الله علي خامنئي زعيمًا أعلى للثورة.
2002
14 أغسطس 2002: كشفت “المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية” عن منشأتي نطنز وأراك، مما أدى إلى اندلاع الأزمة النووية الدولية.
2005
2005: أعلن خامنئي: «الطاقة النووية حق لا يمكن التنازل عنه للشعب الإيراني».
2010
يونيو 2010: هجوم “Stuxnet” الإلكتروني شلّ أجهزة الطرد المركزي في نطنز، وعجلت إيران عملية التخصيب إلى نسبة 20%.
2012
يناير 2012: اغتيال مصطفى أحمدي‌روشن؛ نشأ رواية “الشهيد النووي”.
2015
14 يوليو 2015: توقيع “خطة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA)، حيث قبلت إيران القيود والتفتيشات الصارمة.
2018 – 2020
مايو 2018: انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق؛
يوليو 2020: انفجار في منشآت نطنز؛
نوفمبر 2020: اغتيال محسن فخري‌زادة، ما مثّل تصعيدًا جديدًا في التوترات.
2022
سبتمبر 2022: احتجاجات “امرأة، حياة، حرية” ربطت المعاناة الاقتصادية بتكاليف البرنامج النووي؛ وتوقفت مفاوضات إحياء الاتفاق.
2025
مسعود پزشکیان (رئيس منذ يوليو 2024) أتاح فرصة لإعادة ضبط الاستراتيجية الوطنية.

وقد عززت وسائل الإعلام الحكومية والمؤسسات التعليمية على نحو منهجي هذا السرد المتعلق بفخر نووي. فمن خلال احتكار البث الرسمي (صدا وسيما) وذراعها الدولية «برس تي في»، ينشر المسؤولون رسالة مفادها أن البرنامج النووي يجسد براعة الأمة العلمية ومكانتها المستحقة بين الدول المتقدمة [2]. وتبرز الدعاية الحكومية باستمرار موضوعات الاعتماد على الذات والسيادة، مصورة التقدم النووي امتداداً لمقاومة إيران التاريخية للسيطرة الأجنبية [2]. فعلى سبيل المثال، تستحضر وسائل الإعلام الرسمية كثيراً إرث النضالات الماضية – من انقلاب 1953 إلى حرب إيران-العراق – لتؤطر القضية النووية بوصفها الفصل الأحدث في كفاح إيران لـ«تصحيح المظالم التاريخية» وإثبات كرامتها على الساحة العالمية [2]. وبإدراج البرنامج النووي في سلسلة الكفاح المناهض للإمبريالية، يستثمر النظام في الوطنية الشعبية وأيديولوجيا الثورة الإسلامية، جاعلاً التطوير النووي مسألة شرف وقدر.

ويرسخ نظام التعليم الإيراني هذه المواقف على نحو أعمق في الوعي العام. إذ تعرض الكتب المدرسية علماء إيران النوويين أبطالاً و«شهداء» وتركز على فوائد البرنامج وتأييده الإلهي. فقد كشف استعراض حديث للمناهج الحكومية أن كتاب تاريخ للصف الحادي عشر يعلن أن «على الرغم من المؤامرات الدائمة ومعارضة أعداء الجمهورية الإسلامية، حقق العلماء النوويون الإيرانيون العديد من النجاحات» [3]. ثم يستشهد الكتاب بآية الله الخميني (مؤسس الجمهورية الإسلامية) ليصبغ المشروع النووي بصبغة جهادية شبه مقدسة: «أوصي الأمة الإيرانية العزيزة بأن تعلم أنكم حصدتم نعمة بجهادكم العظيم ودماء شبابكم الزكية» [3]. ومن خلال ربط التقدم النووي بالواجب الديني وذكرى شهداء الحرب، يغذي نظام التعليم سردية تساوي بين التطوير النووي والوطنية والإيمان والتضحية. حتى دروس الأطفال في العلوم والتاريخ تمجد البرنامج النووي بوصفه جزءاً من ثقافة «المقاومة» الإيرانية، محتفية بالإنجاز العلمي انتقاماً من «المؤامرات» التي يحيكها الأعداء الخارجيون.

وعلاوة على الأخبار والكتب المدرسية، يوظف النظام الثقافة الشعبية – من السينما والدراما التلفزيونية إلى المسرح والأدب – لترسيخ أسطورة البرنامج النووي. فقد أنتجت شركات مرتبطة بالدولة (غالباً برعاية الحرس الثوري) أفلاماً ومسلسلات تمجد العلماء النوويين وتعرضهم أهدافاً لمؤامرات أجنبية خبيثة. ومن الأمثلة البارزة فيلم «الحارس الشخصي» (Bodyguard) عام 2016، الذي أنتج في استوديو تابع للحرس الثوري، ويروي قصة محارب قديم يكلف بحماية عالم نووي شاب من الاغتيال [26]. ويربط السرد الفيلمي صراحةً بين قيم «الدفاع المقدس» في ثمانينيات القرن الماضي (حرب إيران-العراق) والنضال النووي المعاصر؛ إذ يجد البطل، الذي خاب أمله بدايةً في مسار إيران، الخلاص في التضحية لإنقاذ العالم – الذي يقدم عمله على أنه حاسم لمستقبل الأمة [26]. وبربط العالم النووي بصرياً وعاطفياً بجنود الحرب الذين سقطوا (إذ إن العالم في الفيلم ابن شهيد حرب)، تعزز هذه المنتجات الثقافية الرسالة القائلة بأن علماء اليوم هم الورثة الروحيون لمقاتلي الأمس، وأن الدفاع عن البرنامج النووي يكافئ الدفاع عن الوطن.

تم أيضاً توظيف الفنون الأدائية لنشر هذا السرد. ففي عام 2021، عُرضت مسرحية بعنوان «يوم أرمیتا» في مهرجان فجر المسرحي بطهران، تجسِّد الاغتيال الواقعي لمهندس الطاقة النووية دريوش رضائي‌نژاد عام 2011 [23]. واختير لها، على نحو غير مألوف، شكلُ مسرح الشارع إتاحةً لجمهور واسع؛ وتتمحور حول ابنة العالم الصغيرة وأرملته، مظهرةً فخرهما وسط الحزن ومؤكدةً الجانب الإنساني للعلوم النووية. ووفقاً لكاتبها، «تتحدث المسرحية عن فوائد الطاقة النووية، وتأثيرها في الطب النووي ودورها في مساعدة المرضى»، فيما تروي كيف استُشهد العالم وكيف تتعامل أسرته مع الحدث [23]. وتؤدّي هذه الإنتاجات المدعومة من الدولة غرضاً مزدوجاً: فهي تُضفي طابعاً إنسانياً على المفهوم المجرَّد للبرنامج النووي بإظهار «جانبه الإنساني» (مثل إبراز الطب النووي في علاج الأطفال المصابين بالسرطان)، كما تُقدِّس ضحايا العمليات السرية بوصفهم شهداء تزيد وفاتهم من الإلحاح الأخلاقي لمسعى إيران النووي [23]. إنّ صور ذوي الضحايا الثكالى الذين يتعهدون بمواصلة المهمة، مقترنةً بسرديات عن التكنولوجيا النووية المنقذة للأرواح، تمثل دعاية قوية لاستقطاب التعاطف الشعبي والفخر الوطني.

بوجه عام، نسجت هندسةُ السرد الداخلي للجمهورية الإسلامية البرنامجَ النووي في نسيج الهوية الوطنية الإيرانية ذاتها. ومن خلال التكرار المتواصل في الخطب والدروس المدرسية والمحتوى الإعلامي، رسّخ النظام إدراكاً واسع النطاق بأن التطوير النووي قضية وطنية و«حقّ غير قابل للتصرف»، يعادل الدفاع عن استقلال البلاد. وبحلول منتصف العقد الأول من الألفية، غدت شعارات مثل «الطاقة النووية حقّنا المطلق» شائعةً في الخطاب الرسمي والتجمّعات الشعبية. ويَصوّر هذا السرد أيَّ تنازلٍ في المسألة النووية بوصفه تفريطاً غير مقبول بالسيادة، ويسعى إلى استباق المعارضة بمساواة انتقاد البرنامج النووي مع انعدام الولاء للأمة. وبالمحصلة، نجحت قيادة إيران في تحويل سياسة تقنية إلى أسطورة وطنية: تدور فيها أجهزة الطرد المركزي ومنشآتُ التخصيب لا كأدوات طاقةٍ أو نفوذٍ فحسب، بل كرموزٍ لفخر إيران وتقدُّمها وتحدّيها للضغوط الأجنبية. وقد كان بناء هذه الأسطورة فعّالاً إلى حدٍّ جعل كثيراً من الإيرانيين العاديين – بمن فيهم منتقدو النظام – يفتخرون بإنجازات البلاد النووية باعتبارها رمزاً لحداثة الوطن. وهكذا رسّخ الاستخدام المنسّق للإعلام والتعليم والثقافة فكرةَ أنّ البرنامج النووي جزءٌ من الهوية الجمعية لإيران وعنصرٌ غير قابل للتفاوض في سرديتها الوطنية.

حروب إعلامية وسرديات دولية متنافسة

لقد جرى الصراع حول برنامج إيران النووي، لا في المفاوضات الدبلوماسية فحسب، بل أيضاً في حرب إعلامية شرسة، حيث تقدّم وسائل الإعلام الإيرانية والغربية والعربية والإسرائيلية سرديات متباينة جذرياً. يضع كلّ نظامٍ إعلاميّ القضيةَ النووية في عدسته السياسية الخاصة، ما يفضي إلى قصصٍ متنافسة غالباً ما لا تتقاطع إلا في حدود ضيقة.

داخل إيران، تُصوِّر وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الدولة البرنامجَ النووي على أنّه سلمي ومبرَّر بل وبطولي، في حين تُشدّد وسائل الإعلام الغربية عادةً على الشبهات المتصلة بالتسلّح والحاجة إلى كبح إيران. وتؤكد الدراسات الأكاديمية للتغطية الإعلامية هذا الانقسام: فالصحفيون الإيرانيون يبرزون الجوانب «الإيجابية» للبرنامج (كالتقدّم العلمي والحقوق الوطنية)، بينما تُظهر المنصات الغربية «تحيّزاً أيديولوجياً نحو تقديم عرض سلبي لسياسة إيران النووية» [6]. عملياً، تشير قنوات إيرانية مثل صدا وسيما و«برس تي في» إلى مساعي إيران النووية بوصفها حقّاً سيادياً وتسلّط الضوء على المعايير المزدوجة الغربية، بينما غالباً ما تصوّر الصحف والشبكات الغربية إيران كتهديدٍ لعدم الانتشار ينبغي احتواؤه.

ويرتكز السرد الإعلامي الإيراني الموجَّه للجمهورين الداخلي والخارجي على الشرعية وفضح النفاق. فعلى سبيل المثال، بثّت خدمات صدا وسيما باللغات الأجنبية تقارير مثل «خطر الأسلحة النووية» – ليس عن برنامج إيران، بل عن ترسانة الولايات المتحدة – إلى جانب فقرات عن «حقوق الإنسان في الولايات المتحدة». تُقدّم هذه التقارير معلوماتٍ واقعية لكنها تشدّد بقوة على ما تصفه طهران بنفاق ومعايير مزدوجة لدى أميركا [4]. يوحي هذا الإطار الضمني: إذا كانت القوى الغربية تمتلك ترساناتٍ أو تتسامح مع حلفاء يملكون أسلحة نووية، فبأيّ حقّ تحرم إيران من برنامج سلمي؟ وبالمثل، أُنشئت قناة «برس تي في» (الفضائية الإيرانية الناطقة بالإنجليزية التي أُطلقت عام 2007) صراحةً لمواجهة ما تسميه طهران «احتكار الإعلام العالمي» الغربي ولـ«الدفاع عن مساعي النظام النووية» في محكمة الرأي العالمي [5]. على أرض الواقع، تعكس تغطية «برس تي في» للمسألة النووية الخطابَ الرسمي الإيراني: إذ تُبرز تعاون إيران مع عمليات التفتيش، وتشدد على الطابع السلمي للأنشطة، وتضخّم أصواتاً (تشمل منشقين غربيين ونظريي مؤامرة) ترى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تختلقان «التهديد» النووي ذريعةً للعداء [4]. (فعلى سبيل المثال، كثيراً ما تستشهد وسائل الإعلام الإيرانية بفتوى المرشد الأعلى ضدّ الأسلحة النووية لإثبات أن إيران لا تسعى إلى القنبلة، بينما تُبرز استخدام الولايات المتحدة التاريخي للقنابل الذرية أو ترسانة إسرائيل النووية الغامضة). وتسعى هذه الاستراتيجية الاتصالية إلى قلب السرد، مُصوِّرةً إيران فاعلاً مسؤولاً والغرب كياناً غير عادل وبالغ السوء.

في وسائل الإعلام الغربية، على النقيض، كثيراً ما تُصوَّرُ إيران بوصفها الشريرَ في الملحمة النووية؛ نظاماً سرّياً يُظنّ أنّه يسعى إلى القنبلة. تُركِّزُ التقاريرُ الإخباريةُ والتعليقاتُ الخبيرة في الولايات المتحدة وأوروبا عادةً على خروقاتِ إيران للقيود النووية، والأسئلةِ العالقة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتصريحاتِ المتطرّفة لمسؤولين إيرانيين. تنقل المنصّاتُ الغربية مزاعمَ طهران بشأن النوايا السلمية، لكنّها تقرنها غالباً بشكوكٍ أو أدلّةٍ معاكسة. إبّان ذروة الأزمة (2002‒2015)، تحدّثت عناوينٌ غربيةٌ عديدة عن «برنامجٍ سرّيٍّ للأسلحة النووية في إيران» أو «العدّ التنازليّ نحو قنبلةٍ إيرانية»، عاكسةً السردَ السائد في واشنطن وبعض العواصم الأوروبية. وفي أحايينَ، بالغت وسائلُ إعلامٍ أو شوَّهت الوقائع اتفاقاً مع رؤى متشدّدة؛ فخريفَ 2020، لمّحت صحفٌ أميركية كبرى إلى أنّ لإيران برنامجَ أسلحةٍ جارياً، مستشهدةً بدور العالم محسن فخري زاده – رغم تقدير أجهزة الاستخبارات الأميركيّة أنّ طهران أوقفت نشاطها العسكريّ عام 2003. كما أعاد تحليلٌ بارزٌ في نيويورك تايمز تكرارَ زعم رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو (استناداً إلى وثائق مصادَرة) أنّ إيران تتابع سِرّاً السعيَ إلى القنبلة، مقدِّماً الاتهامَ من دون مساءلة [7]. وقد نبّه ناقدون مستقلّون إلى أنّ ذلك مُضلِّل: فلا «دليلَ على برنامج أسلحةٍ نوويةٍ إيرانيٍّ يُدار خفيةً»، فيما تَرَى التقييماتُ الأميركيّة أنّ «إيران لا تُمارس حالياً أنشطةً أساسيّةً تتعلّق بتصميمِ السلاح النوويّ وتطويرِه» [7]. واستعدادُ بعض المنصّات الغربية لتضخيم مزاعم غير موثَّقة – مثل ادّعاءات نتنياهو – غذّى سردَ طهران بأنّ «الصحافة الغربية» منحازةٌ وتحمل أجنداتٍ عدائية. (في المقابل، بقي صحفيون غربيون آخرون متحفظين حيال التهويل، مشيرين إلى أنّ تقدّم إيران النووي يثير القلق لكنّه لا يرقى إلى اندفاعةٍ نحو السلاح).

أمّا الإعلامُ العربيّ والإسرائيليّ فيقدّم زواياه الخاصة. ففي العالم العربي، كثيراً ما تنقسم التغطيةُ تبعاً للاصطفافات الجيوسياسية: فوسائلُ مواليةٌ لحلفاءِ إيران الإقليميين – كمنصّاتٍ سوريةٍ مؤيدةٍ للأسد أو «المنار» التابعة لحزب الله – تُردّد روايةَ طهران بأنّ حقوقَها النووية تُنتهَك بفعل تنمُّرٍ غربي، وقد وصفت اتفاقَ 2015 بأنّه «انتصارٌ إيرانيٌّ مستحقّ» [8]. في المقابل، تُصوّر منابرُ مرتبطةٌ بمنافسي إيران – ولا سيّما السعوديةَ ودولَ الخليج – إيرانَ قوةً توسعيّةً خطرةً تعزَّزت بقدراتٍ نووية. وعند إعلان إطارِ 2015، عنونت «وسائلُ خليجيةٌ بارزة» بأنّ إيران «تنكثُ» شروطَ الاتفاق منذ اللحظة الأولى، مشكّكةً في صدقية طهران [8]. وعلى امتداد الصحافة العربية، تتراجع التفاصيلُ التقنيّةُ للتخصيبِ أو التفتيش أمام مخاوفَ ممّا يعنيه امتلاكُ (أو حتى تخفيفُ عقوباتِ) إيرانَ نوويةٍ لتوازن القوى في الشرق الأوسط [8]. يركّز معلّقون عرب على كيف يمكن لاتفاقٍ أن يشجّع «تدخّل إيران في الصراعات الإقليمية»، فيما يظلّ الرأيُ الشعبيّ في كثيرٍ من الدولِ السنيّة مرتاباً بشدّةٍ في نوايا طهران [8]. وباختصار، يرى كثيرون أنّ إيرانَ نوويةً (ولو اسمياً سلمية) ستكون إيرانَ عدوانيّةً – راعيةَ ميليشياتٍ وأجنداتٍ طائفيةٍ تحتمي بمظلّة نووية. وهذه الرؤية تتناقض جذرياً مع سردية إيران، التي تُصرّ على أنّ البرنامج مخصَّصٌ للطاقة والفخر الوطني، لا لهيمنةِ الجيران.

في وسائل الإعلام الغربية، وعلى النقيض، كثيراً ما تُصوَّر إيران على أنّها الشرير في الملحمة النووية؛ نظام سرّي يُحتَمَل أن يكون مصمّماً على امتلاك قنابل. تُركّز التقارير الإخبارية والتعليقات الخبيرة في الولايات المتحدة وأوروبا عادةً على خروقات إيران للقيود النووية، والمسائل غير المحسومة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتصريحات الاستفزازية لشخصيات إيرانية. وتتناول المنصّات الغربية ادعاءات إيران بشأن النوايا السلمية، لكن تُقْرنها غالباً بالتشكيك أو بأدلّة معاكسة. إبّان ذروة الأزمة (2002–2015)، تحدّثت عناوين غربية عديدة عن «برنامج إيران السري للأسلحة النووية» أو «العدّ التنازلي لقنبلة إيرانية»، معبّرةً عن السرد السائد في واشنطن وبعض العواصم الأوروبية. وفي بعض الحالات، بالغت وسائل الإعلام أو حرّفت الوقائع تماشياً مع الرؤى المتشدّدة. فعلى سبيل المثال، في أواخر 2020، ألمحت صحف أميركية كبرى إلى أنّ إيران لديها برنامج أسلحة نووية جارٍ، مستشهدةً بدور العالم الإيراني محسن فخري زاده، رغم تقييم مجتمع الاستخبارات الأميركي بأنّ طهران أوقفت برنامجها النشط للأسلحة عام 2003. حتى إنّ تحليلاً بارزاً في نيويورك تايمز كرّر ادعاء رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو (استناداً إلى وثائق مصادَرة) بأنّ إيران ما زالت تسعى سراً إلى قنبلة، مقدِّماً هذا الاتهام من دون اعتراض [7]. وأشار ناقدون مستقلّون إلى أنّ ذلك مُضلِّل: فلا وجود «لبرنامج أسلحة نووية إيراني يُدار خفيةً»، كما استمرت التقييمات الأميركية في تأكيد أنّ «إيران لا تمارس حالياً أنشطة أساسية تتعلق بتصميم سلاح نووي وتطويره» [7]. إنّ استعداد بعض وسائل الإعلام الغربية لتضخيم مزاعم غير موثَّقة – مثل مزاعم نتنياهو الدرامية – غذّى سرد طهران بأنّ «الصحافة الغربية» منحازة وتحكمها أجندات عدائية. (في الوقت نفسه، ظلّ صحفيون غربيون آخرون متشككين إزاء التهويل، مشيرين إلى أنّ التقدّم النووي الإيراني يثير القلق لكنه لا يرقى إلى اندفاعة نحو السلاح).

في وسائل الإعلام والمسؤولين الإسرائيليين ربما كانوا الأشد صراخاً في التحذير من طموحات إيران النووية. كثيراً ما تُبرز التغطية الإسرائيلية تصريحات قادة إيرانيين حول عدم شرعية إسرائيل، وتقرنها بتقديراتٍ أسوأ الاحتمالات للجدول الزمني النووي الإيراني. وعلى مدار العقدين الماضيين، شكّل مسؤولون إسرائيليون السرد الإعلامي بنشاط عبر كشف معلومات استخباراتية. ومثال بارز حدث في 2018: إذ تسلّل عملاء الموساد إلى مستودع في طهران وأخرجوا سراً أرشيفاً ضخماً لوثائق مشروع إيران النووي، وكشفه رئيس الوزراء نتنياهو على الهواء مباشرة. وادّعى أنّ «الأرشيف» يُثبت أنّ «طهران قامت بعمل نووي أكثر ممّا كان معلوماً سابقاً»، خلافاً لتصريحاتها [9]. وأحدث هذا الكشف عناوين عالمية وعزّز السرد الغربي بأنّ إيران كذبت بشأن عدم سعيها أبداً للأسلحة. واعتبرت وسائل الإعلام الإسرائيلية العملية ضربةً عبقرية تكشف خداع إيران، بينما سعت وسائل الإعلام الإيرانية لتقليل أهمية النتائج. وبالمثل، كثيراً ما تتصدّر المنابر الإسرائيلية أخبار الانفجارات الغامضة أو الهجمات السيبرانية على منشآت نووية إيرانية (يُعتقد على نطاق واسع أنها من تدبير إسرائيل)، مُصوِّرةً إيّاها إجراءاتٍ مبرَّرة لتأخير برنامج أسلحة محتمل. وتغذّي مثلُ هذه الحوادث حرباً إعلاميةً بالغة العداء: إذ تتّهم صحافةُ إيران إسرائيلَ والغربَ بحملات «تخريب واغتيال»، بل تبث وثائقيات عن «حربٍ خفيّة» ضد علماء إيران [10]، في حين تعتبرها التقاريرُ الإسرائيلية والغربية إجراءاتٍ وقائية ناجحة. والنتيجةُ بيئةٌ إعلاميةٌ مستقطَبة بشدّة – من طهران إلى تل أبيب إلى واشنطن – حيث لا تكتفي وسائل الإعلام بالإبلاغ عن الأحداث بل تسهم فعلياً في تشكيل التصوّرات بما يخدم السرد الاستراتيجي لكلّ طرف.

التسريباتُ، الكشوفُ، والأفلامُ الوثائقية كان لها تأثير يفوق حجمها في هذه المعركة الإعلامية. فلم يكن الكشفُ الأول عن مواقع إيران النووية السرّية عام 2002 من عمل استخباراتٍ غربية، بل قدّمته جماعة معارضة إيرانية في مؤتمرٍ صحفي بواشنطن – سبقاً صحفياً أثار موجة شكوكٍ لسنوات [11]. وغالباً ما كانت تقاريرُ الوكالة الدولية للطاقة الذرية اللاحقة حول أنشطة إيران غير المعلنة تُسرَّب إلى الصحافة الغربية، مولِّدةً قصصاً تتصدّر الصفحات الأولى، ما رسّخ العزم الدولي على فرض العقوبات. وعلى الطرف المقابل، استخدمت إيران الإعلام لكشف (أو الادعاء) مؤامراتٍ ضدها: فعلى سبيل المثال، بثّت قناة الدولة الإيرانية عام 2014 وثائقياً بعنوان «الحرب الخفيّة على إيران» يضم أشخاصاً قالوا إنهم مجندون للموساد ومسؤولي استخبارات إيرانيين، لإثبات أنّ عملاء أجانب يقفون وراء الإرهاب والهجمات السيبرانية على برنامجها [10]. وتُظهر هذه الكشوف المتقابلة – أحدها من خصوم إيران لكشف أسرارها، والآخر من إيران لإبراز تخريب الأعداء – كيف أصبحت المعلومة نفسها سلاحاً. كذلك سعت أفلام وثائقية مُنتَجة في الغرب، مثل فيلم «إيرانيوم» عام 2013، إلى التأثير في الرأي العام عبر إبراز أكثر التفسيرات إثارة للقلق لأهداف إيران النووية، وغالباً ما تربطها بانتهاكات حقوق الإنسان ودعم الإرهاب. وفي السنوات الأخيرة، تحظى تقاريرُ استقصائية ومراكز أبحاث (مثل معهد العلوم والأمن الدولي) بعناوين رئيسية دورية عبر كشف صورٍ فضائية جديدة لمنشآت إيرانية أو بيانات عن مخزونات اليورانيوم، ما يدفع السرديات في الإعلام الدولي قُدُماً.

باختصار، تُخاضُ السردية المحيطة ببرنامج إيران النووي بقوة عبر أنظمة إعلامية مختلفة. تبثّ وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية التحديَ والشعورَ بالمظلومية – مُصوِّرةً إيران كأمّةٍ تسعى إلى حقوقها في مواجهة النفاق – بينما يصوّر كثيرٌ من الخطاب الغربي والإسرائيلي إيرانَ على أنّها مخالفٌ خطيرٌ لا يستجيب إلا للضغط. وغالباً ما تُقحم السرديات العربية القضيةَ النووية في صراعات القوى الإقليمية والريبة الطائفية. لهذه «الحرب الإعلامية» تبعاتٌ حقيقية: فهي تؤثر في الرأي العام والحسابات السياسية في كلّ ساحة. فعلى سبيل المثال، يستشهد التيارُ المتشدد في إيران بالدعاية الغربية لتقويض الانخراط، بينما يستشهد الصقورُ في الولايات المتحدة أو إسرائيل بدعاية إيران للقول إنّ طهران لا يُوثَق بها. ومع استمرار الملحمة النووية، سيواصل كلُّ طرفٍ على الأرجح توظيفَ التسريبات والرسائل الإعلامية كأدواتٍ استراتيجية – جاعلاً المعلومةَ ساحةَ معركةٍ لا تقلّ أهمّيةً عن أجهزة الطرد المركزي والعقوبات.

النظام الإعلاميالمنافذ النموذجيةالإطار الأساسيالخطاب الرئيسي / الكلمات الرنانة
إيران (الحكومية)هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية (IRIB)، قناة Press TVبرنامج سلمي، حق سيادي، ضحية للمعايير المزدوجة“حق غير قابل للتصرف”، “نفاق الغرب”، فتوى المرشد[1]
الغربيةنيويورك تايمز، بي بي سي، سي إن إنتهديد بالانتشار النووي، ضرورة الاحتواء والتحقق“المواقع السرية”، “المدة الزمنية للانطلاق”، الكشف عن الأرشيف[2]
الخليج العربيالعربية، الشرق الأوسطتهديد الأمن الإقليمي، مخاوف من الهيمنة الشيعية“زعزعة الاستقرار”، “مغامرات”، “الميليشيات الوكيلة”[3]
العرب المؤيدون لإيرانقناة الميادين، قناة المنارحق مشروع، مقاومة ضد الإمبريالية“انتصار محور المقاومة”، “السيادة العلمية”[4]
الإسرائيليةجيروزاليم بوست، آي24 نيوزتهديد وجودي، تبرير الإجراءات الوقائية“هولوكوست ثانٍ”، “قنبلة موقوتة”، “خطوط حمراء”[5]

الكلفة البشرية: البرنامج النووي والعقوبات

دفعت إيران ثمناً بشرياً باهظاً لطموحاتها النووية، ظهر بوضوح عبر العقوبات الدولية التي أثارها البرنامج. فعلى مدى العقدين الماضيين، أنهكت جولات متعاقبة من العقوبات الأميركية والأوروبية والأممية ـ المفروضة للضغط على طهران بشأن أنشطتها النووية ـ الاقتصادَ الإيراني وأثقلت كاهل الحياة اليومية لشعبٍ يناهز 85 مليون نسمة. طالت هذه الإجراءات كل شيء، من سعر الخبز إلى توافر الأدوية المنقذة للحياة. وبينما تُقلِّل الحكومة الإيرانية على الدوام من أثر العقوبات (وتعزو الأزمات إلى سوء الإدارة الداخلية أو عوامل أخرى)، تُظهِر أدلةٌ واسعة من منظمات إنسانية والأمم المتحدة أن العقوبات فاقمت معاناة الإيرانيين.

الضغوط الاقتصادية والفقر: استهدفت العقوبات صادرات النفط الإيرانية وقطاعها المصرفي والتجارة، فأدّت إلى انكماش حاد في الاقتصاد. عاشت البلاد «عقداً ضائعاً» من التنمية تحت وطأة العقوبات المرتبطة بالملف النووي. وتشير تحليلاتٌ لاقتصاديين إلى أن الأثر التراكمي تمثّل في انكماش الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع التضخم والبطالة، ودفع كثير من الإيرانيين إلى الفقر [12]. وتلاحظ إحدى الدراسات أن عودة عقوبات «الضغط الأقصى» الأميركية عام 2018 أطلقت ركوداً تضخمياً حاداً، إذ قفزت أسعار السلع الأساسية وتدهورت قيمة الريال [12]. وبحلول 2020 تجاوز التضخم 40 %، ما التهم الأجور والمدخرات، فيما كافحت صناعات حيوية لاستيراد قطع الغيار والمواد الخام. وكانت التبعات الاجتماعية مدمِّرة؛ إذ تُظهر البيانات الحكومية والتقديرات المستقلة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الفقر، مع تراجع الدخل الحقيقي وارتفاع كلفة المعيشة. انزلقت أسرٌ من الطبقة الوسطى إلى الضيق، وتعرّضت فئاتٌ هشّة ـ مثل العمال والمجتمعات الريفية ـ لأقسى الضربات. عملياً، دفع الإيرانيون العاديون ثمن البرنامج النووي في حياتهم اليومية: وظائف أقل، وأجور تشتري أقل، وآفاق ازدهار تضاءلت تحت وطأة العزلة الاقتصادية.

الرعاية الصحية ونقص الأدوية: ربما كان الأثر الأكثر مأساوية في قطاع الصحة، حيث تسبّبت العقوبات (رغم أنها لا تستهدف السلع الإنسانية نظرياً) في نقص خطير لبعض الأدوية والمعدات الطبية. غالباً ما ترفض البنوك والمورِّدون الدوليون، خوفاً من العقوبات، إتمام حتى الصفقات المصرَّح بها ـ وهو ما يسميه المراقبون «الامتثال المبالغ فيه». أفادت هيومن رايتس ووتش عام 2019 بأن العقوبات الأميركية «تقيِّد بشدة» قدرة إيران على تمويل الواردات الإنسانية، بما فيها الأدوية الحيوية [24] [13]. والنتيجة أن مرضى الأمراض النادرة والمزمنة واجهوا صعوباتٍ في الحصول على أدوية مستوردة وعلاجات متخصصة. فعلى سبيل المثال، افتقر مستشفى سرطان الأطفال الرئيسي في إيران إلى ثلاثة أدوية كيماوية أساسية ـ بيغاسبارغاس، ميركابتوبورين وفينبلاستين ـ عام 2019 لأن المورِّدين الأجانب لم يتقاضوا مستحقاتهم [13]. كذلك فقد مئات المصابين بـانحلال البشرة الفقاعي (EB) ضماداتٍ خاصة بعد تعطّل سلاسل التوريد، في أزمةٍ وصفها أطباء إيرانيون بأنها مهددة للحياة [13]. وحتى عندما تكون الأدوية معفاة تقنياً من العقوبات، فإن الحصار المالي ـ القيود على المصارف الإيرانية والمعاملات الدولية ـ جعل من الصعب للغاية على المستوردين شراء الدواء من الخارج [13]. وأشار تحقيق لرويترز إلى أن بنوكاً أجنبية، خشية العقوبات الأميركية، أوقفت التحويلات حتى لأدوية السرطان المنقذة للحياة، ما تسبب في تأخيرات ونقص [13]. وفي حالةٍ حظيت باهتمام واسع، توفّي فتى في الخامسة عشرة من عمره مصاب بالهيموفيليا في دزفول عام 2012 عندما غاب دواء تخثر الدم الذي يحتاجه بفعل تعطّل قنوات الإمداد [14] [14]. وشبّه مسؤولون صحيون إيرانيون الوضع بـ«موتٍ صامت» للمرضى، مؤكدين أن النيات السياسية للعقوبات شيء، والواقع أن «صحة الشعب الإيراني رهينة» [14].

يتجاوز النقصُ الناجمُ عن العقوبات الأدويةَ المتطوِّرة فحسب؛ فمستلزماتُ الطبّ اليومية ـ من الإنسولين إلى سوائل الحقن الوريدي ـ باتت أحياناً نادرةً أو باهظةَ الثمن. كما تعاني شركاتُ الأدوية المحليّة، التي تُلبّي معظمَ حاجة إيران الدوائية، لأنّ العقوبات تُصعِّب استيرادَ المواد الخام والمعدات. وقد كشفت جائحةُ كوفيد-19 هشاشةَ هذه المنظومة بوضوح؛ ففي ذروة تفشّي المرض عامَ 2020، كافحت المستشفياتُ الإيرانية لاستيراد أجهزة التنفّس والملابس الواقية واللقاحات. وحذَّر المقرِّرُ الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في إيران، جاويد رحمن، مطلعَ 2021 من أنّ العقوبات «أعاقت جزئياً» استجابةَ إيران للجائحة، داعياً إلى تخفيف القيود لدواعٍ إنسانية [15]. (وبينما ألقى القادةُ الإيرانيون باللائمة على العقوبات في كثيرٍ من متاعب الجائحة، لاحظ مراقبون أنّ سوء الإدارة الداخلية وغياب الشفافية ـ مثل إنكار خطورة التفشّي في البداية ـ لعبا دوراً أيضاً). وأصبح الثمنُ الإنساني للعقوبات نقطةَ تعبئةٍ للمجتمع المدني الإيراني والشتات، فأطلقوا حملاتٍ تحثّ الولايات المتحدة وأوروبا على ضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية إلى إيران. ومع تصاعد وفيات كورونا عام 2020، دعا بعضُ المسؤولين الأميركيين وحلفائهم الأوروبيين بالفعل إلى تخفيفٍ محدودٍ للعقوبات لأسبابٍ إنسانية بحتة.

جودة الحياة والبنية التحتية: خارج قطاع الصحّة، قوَّضت العقوباتُ المرتبطة بالملف النووي جودةَ حياة الإيرانيين بطرقٍ أقلَّ ظهوراً؛ فقد جعلت العزلةُ المصرفية الدولية من الصعب على المواطنين الحصولَ على بعض السلع الاستهلاكية أو استخدام الخدمات العالمية. وأضحى السفرُ الجوي أكثرَ خطورةً مع تقدُّم سنّ طائرات الركّاب الإيرانية، التي تعذّر عليها شراءُ قطع الغيار بسهولة، ما أسفر عن مشكلات صيانة ساهمت في حوادثَ جويةٍ محليةٍ عدّة. كما توقّفت مشروعاتُ بنية تحتية مهمّة لنقص الاستثمار أو المعدات الأجنبية. وعلى مدى الوقت، عزَّزت العقوباتُ موجةَ هجرةِ الكفاءات؛ إذ غادر مهنيون متعلّمون بحثاً عن استقرارٍ وفرص، وهو نزيفٌ يضرّ بالخدمات العامة والاقتصاد. اجتماعياً، خلّف الإحساسُ بالحصار واليأس الاقتصادي تحت العقوبات آثاراً نفسية، ولا سيّما في أوساط الشباب الذين يرون مستقبلهم مقيَّداً بالعزلة الدولية.

ومع ذلك، من المهم التنبيه إلى أنّ أزماتِ إيران لا تُعزى كلُّها إلى العقوبات وحدها؛ فخبراءُ الاقتصاد وكثيرٌ من الإيرانيين يُشيرون إلى أنّ سوء الإدارة الحكومية والفساد دمّرا الاقتصاد أيضاً ـ من ممارسات مصرفية سيّئة إلى محسوبيةٍ وهدرٍ واسعَين. (حتى في سنوات ازدهار النفط بعد الاتفاق النووي في منتصف العقد الماضي، حين رُفِعت العقوباتُ مؤقّتاً، ظلّ معدّلُ البطالة وعدمُ المساواة مرتفعَين، ما يشي بمشكلاتٍ هيكلية أعمق). ويُشدّد المسؤولون الأميركيون غالباً على هذه النقطة؛ إذ قال أحدُ ممثّلي وزارة الخزانة: «لقد عانى شعبُ إيران طويلاً من فساد النظام وسوء إدارته»، مُشيراً إلى أنّ سياساتِ طهران نفسها ـ مثل الإنفاق على المغامرات العسكرية خارج الحدود ـ فاقمت معاناةَ الناس [13]. ويَنتقد ناشطون إيرانيون حكومتَهم بالطريقة نفسها لإنفاق الموارد على التطوير النووي (ومشروعاتٍ أيديولوجية أخرى) على حساب رفاه المواطنين. في الواقع، إنّ اختيارَ إيران مواصلةَ القدرات النووية متحدّيةً المجتمعَ الدولي هو ما استجلب العقوبات التي أضرّت بشعبها.

الأمن البشري الجانبي: في المحصّلة، أدّى سعيُ الجمهورية الإسلامية إلى برنامجها النووي إلى نتيجةٍ عكسية، فجعل الحياةَ اليومية أصعبَ وأقلَّ أمناً للسكان الذين يُفترض أن يستفيدوا منه. فالبرنامج يُقدَّم كإنجازٍ وطنيٍّ مفخَر، لكنّ الإيرانيين العاديين لم يروا سوى فائدةٍ ضئيلة من الطاقة النووية (إذ لا تزال إيران تستورد جزءاً كبيراً من النظائر الطبية ووقود المفاعلات)، بينما عاشوا عقداً من الركود الاقتصادي ونقص الأدوية يعود جزئياً إلى المواجهة النووية. ولم يغب هذا التناقض عن المجتمع المدني؛ ففي السنوات الأخيرة، ناشدت حملاتٌ شعبية ـ مثل جمعية الهيموفيليا وجمعيات مرضى السرطان في إيران ـ كلاً من طهران وواشنطن تقديمَ حياة البشر على «عزة الذرة». ويتساءل هؤلاء: لماذا ينبغي لحقوق إيران «النووية» أن تتقدّم على حقّ طفلٍ إيراني في علاج السرطان أو الحصول على الإنسولين؟ وهم يطالبون بمزيدٍ من الشفافية والمرونة: فإذا أصّرت إيران على سلمية عملها النووي، فيجب أن تتعاونَ بالكامل لرفع العقوبات؛ وإذا كان الغربُ حريصاً حقاً على الشعب الإيراني، فعليه تصميمُ عقوباتٍ تُقلِّل الضرر الإنساني. وتُبرز هذه النداءاتُ الرهاناتِ البشرية الحقيقية الكامنة وراء المساومات الجيوسياسية.

ختاماً، تسبّبت الأضرارُ الجانبيّةُ للبرنامج النووي في زعزعة الأمنَيْن البشري والاقتصادي لإيران على نحوٍ بالغ. فقد خنقت العقوباتُ المرتبطة بالبرنامج اقتصادَ البلاد، وأفقرت الأسر، وعرّضت المرضى للخطر، مُحوِّلةً المدنيّين المستضعَفين إلى رهائن في صراع قوى أوسع نطاقاً. وقد نال ذلك من الثقة العامّة تدريجياً؛ إذ بينما يعتزّ كثيرٌ من الإيرانيّين بالتقدّم العلمي، يتزايد تساؤلهم عمّا إذا كان المشروعُ النووي يستحقّ التضحيات العصيبة المفروضة على المجتمع. وكما سنرى في أقسام لاحقة، تُغذّي هذه التآكلاتُ في الثقة شعوراً أوسع بخيبة الأمل ومطالبَ بالمحاسبة، فيما يسعى المواطنون إلى تفسيرٍ لِمَ ينبغي لهم أن يتحمّلوا المعاناة من أجل أجهزة الطرد المركزي ومخزونات اليورانيوم.

الصراع السيبراني، التضليل الإعلامي وتآكل الثقة العامة

لم يقتصر الصراعُ الظِلّي حول البرنامج النووي الإيراني على الضغوط الاقتصادية والاغتيالات؛ بل امتدّ أيضاً إلى الفضاء السيبراني ومجال المعلومات، مع تأثيرات عميقة على الثقة العامّة. فطوال السنوات الماضية، كانت إيران ضحيةً وفاعلًا في آنٍ معاً لهجمات سيبرانيّة وحملات تضليل إعلامي مرتبطة بأنشطتها النووية. وقد كشفت هذه الصراعاتُ الخفيّةُ عن هشاشةٍ أمنيّة، وأجّجت شكوكاً متبادَلة، وخلّفت المواطنين الإيرانيّين في حيرةٍ بشأن ما ـ أو مَن ـ يصدّقونه.

أحدُ أكثر الضربات دراماتيكيّةً وقع عام 2010 باكتشاف ستاكس نت، الدودةُ الحاسوبيّةُ المتقدّمة التي تسرّبت خفيةً إلى أنظمة التحكّم في منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم. فقد أفادت تقارير لاحقة ـ على نطاقٍ واسع ـ بأنّ ستاكس نت سلاحٌ سيبرانيّ أميركي-إسرائيلي مشترك، وأنّه دمّر قرابة ألف جهاز طرد مركزي وأحدث تأخيراً ملموساً في عمل التخصيب الإيراني [16]. آنذاك، أقرّ المسؤولون الإيرانيّون بوقوع هجومٍ برمجيّ، لكنّهم حاولوا التقليل من حجمه؛ ومع ذلك بقي الحادث إحراجاً علنيّاً لجهاز الأمن الذي يتفاخر به النظام. وللرأي العام الإيراني، كان ستاكس نت إنذاراً مدوّياً بأنّ خصوماً أجانب قادرون على اختراق حتى المنشآت النوويّة شديدة السريّة. وقد بدّد الهجومُ روايةَ الدعاية الرسمية عن حصانة إيران في مواجهة «الأعداء». وردّاً عليه، سرّعت طهران برنامجَها السيبراني دفاعاً وهجوماً معاً؛ إذ أشار جنرالٌ في سلاح الجو الأميركي إلى أنّ «حادثة نطنز [ستاكس نت] ولّدت ردّ فعل» وحفزّت إيران على تعزيز قدراتها، حتى أصبحت وحداتها السيبرانية في غضون أعوامٍ «قوةً يُعتدّ بها» بحسب تقييماتٍ غربية [16]. وبالفعل، نُسب إلى قراصنةٍ إيرانيّين بحلول 2012–2013 هجماتٌ على مصارف وبنى تحتيةٍ أجنبية كأعمال انتقاميّة [16]. وهكذا أخذ الصراعُ السيبراني المتبادل حول الملف النووي يتصاعد تدريجياً.

غير أنّ هذه المناوشات السيبرانية جلبت للإيرانيين العاديين قدراً كبيراً من عدم اليقين وانعدام الثقة. فقد دأب النظام على حجب التفاصيل المتعلقة بحوادث مثل ستاكس نت أو الانفجارات الغامضة اللاحقة في المواقع النووية، ما أدى إلى انتشار واسع للتكهنات. وعندما يقع حادث خطير كانفجار في منشأة يورانيوم أو انقطاع واسع للكهرباء، يصدر المسؤولون غالباً تفسيرات مبهمة أو مضلِّلة، لتكشف وسائلُ إعلامٍ أجنبية أو محللون مستقلون لاحقاً أدلةً على التخريب. فعلى سبيل المثال، في تموز/يوليو 2020، دمّر انفجار مبنى في نطنز؛ ووصفت السلطاتُ الإيرانية الأمر في البداية بأنّه «حادث» وحثّت على عدم التكهن، لكنّ تسريباتٍ إعلاميةً أشارت إلى أنّه هجوم متعمّد (نُسب على نطاق واسع إلى إسرائيل). وتكرارُ مثل هذه الحوادث على مرّ الزمن أدّى إلى تآكل عميق لثقة الجمهور في الرواية الرسمية. واعتاد الإيرانيون الاعتقاد بأنّ الحقيقة بشأن الحوادث المرتبطة بالبرنامج النووي ستظهر أولاً من صور الأقمار الصناعية على الإنترنت أو تقارير قنوات المعارضة الفارسية في الخارج، لا من حكومتهم. كلّ نفي يعقبه اعترافٌ لاحق – سواء بشأن انفجار أو خرق سيبراني أو اختراق أمني آخر – يعزّز الانطباع العام بأنّ السلطات تخفي الحقيقة. ويعكس هذا نمطاً أوسع (ظهر جلياً حين كذبت القواتُ المسلحة الإيرانية بشأن إسقاط طائرة الركاب الأوكرانية عام 2020 قبل أن تُجبَر على الاعتراف): فكلّ تسترٍ يُفضَح يقلّل من استعداد المواطنين للثقة بما يقوله قادتهم في أي شأن، بما في ذلك البرنامجُ النووي.

ولا تقتصر معركةُ المعلومات على جانبٍ واحد؛ فالنظامُ الإيرانيّ نفسه يروّج بنشاط معلوماتٍ مضلِّلة خاصةً به لإرباك الجمهور وطمأنته. إذ تُشيع وسائلُ الإعلام الرسمية نظرياتِ المؤامرة باستمرار لتبرير الإخفاقات أو تشويه سمعة المنتقدين. وقد اتّهمت المنابرُ الإيرانيةُ إسرائيلَ والولايات المتحدة بفبركة أدلة نووية بل وبإخراج بعض الاغتيالات لتشويه إيران. وأفردت قناةُ «برس تي في» وغيرها من قنوات الدعاية حيزاً واسعاً لنظرياتٍ هامشية – مثل الزعم بأن عملاء غربيين أو «صهاينة» يقفون وراء كل شيء من الهجمات الإرهابية إلى الزلازل. (فقد «بثّت» «برس تي في» بانتظام ادعاءاتٍ عبثية، من قبيل أنّ إسرائيل دبّرت هجمات 11 أيلول/سبتمبر أو تتحكم بتنظيم داعش، بما ينسجم مع الرؤية التآمرية للنظام [5]). وداخلياً، عندما جرى اغتيال علماء نوويين، زعمت السلطاتُ في البداية أنّ العديد من المنفّذين اعتُقل سريعاً أو أُحبطت مخططاتُهم – رواياتٌ سرعان ما ناقضتها هجماتٌ لاحقة، فتقوّضت المصداقية. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، نشرت حساباتٌ مرتبطة بالدولة قصصاً زائفة، مثل ادعاءاتٍ مبالغ فيها بتحقيق إنجازاتٍ نووية كبرى أو «تسريبات» مزوّرة تتهم المعارضين بالتجسس، بهدف تعزيز صورة النظام وتشويه خصومه. وغالباً ما تكون هذه الجهود التضليلية فاضحةً وذات نتائجَ عكسية؛ فبدلاً من تهدئة الجمهور، تولّد مزيداً من التشكيك عندما تنكشف الحقائق.

وفي الوقت نفسه، دخل فاعلون خارجيون ساحةَ حرب المعلومات، ما زاد الحقيقة غموضاً. فقد سرّبت أجهزةُ الاستخبارات الإسرائيلية والغربية معلوماتٍ سرّية إلى وسائل الإعلام انتقائياً – بعضُها دقيق وبعضُها قد يكون منحازاً – لكشف العمل النووي السري الإيراني والتأثير في الرأي العام الدولي. ومن ذلك نشر وثائقَ نوويةٍ إيرانيةٍ مسروقة (حصلت عليها إسرائيل) كانت صحيحةً في جوهرها، لكن عُرضت عبر حملة علاقات عامة صاخبة ضخّمت أكثرَ جوانبها تجريماً. كما ينشر الأميركيون وحلفاؤهم تقاريرَ الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن عدم امتثال إيران بطريقة تُضخّم الإنذار. وقد عقدت جماعاتٌ معارضة مثل «المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية» مؤتمراتٍ صحفيةً لكشف أسرارٍ نووية (لاسيما عام 2002)، لكنّ بعضَ الخبراء شكّكوا في بعض مزاعمها أو توقيتها، مرجّحين دوافعَ سياسية. وفي هذا المشهد الضبابي، ينتشر التضليل سريعاً. فقد تكتسب روايةٌ مشكوكٌ فيها – كإشاعة أنّ إيران تبني منشأة قنابل سرية تحت جبل، أو في المقابل ادعاءٌ إيرانيّ بأنّ مفاعل ديمونا الإسرائيلي يتسرّب – زخماً قبل أن تُفند، تاركةً أثراً من الشك.

ختاماً، كان الأثر الجانبي للبرنامج النووي على الأمنين البشري والاقتصادي في إيران هائلاً؛ فقد خنقت العقوبات المرتبطة به اقتصادَ البلاد، وأفقرت الأسر، وعرّضت المرضى للخطر، فحوّلت المدنيين الضعفاء إلى رهائن في صراع قوى أكبر. وقد نالت هذه الحال من الثقة العامة تدريجياً؛ إذ بينما يعتزّ كثير من الإيرانيين بالتقدم العلمي، يتزايد تشكيكهم في ما إذا كان المشروع النووي يستحق التضحيات الباهظة المفروضة على المجتمع. وكما سنرى في أقسام لاحقة، يغذي هذا التآكل في الثقة شعوراً أوسع بخيبة الأمل ومطالب بالمحاسبة، فيما يسعى المواطنون إلى تفسيرٍ لِمَ يجب أن يعانوا من أجل أجهزة الطرد المركزي ومخزونات اليورانيوم.

الصراع السيبراني، التضليل الإعلامي وتآكل الثقة العامة

لم يقتصر الصراع الظلي حول البرنامج النووي الإيراني على الضغوط الاقتصادية والاغتيالات؛ بل امتدّ أيضاً إلى الفضاء السيبراني ومجال المعلومات، مع تأثيرات عميقة على الثقة العامة. فعلى مرّ السنين، كانت إيران ضحيةً وفاعلاً في آنٍ معاً لهجمات سيبرانية وحملات تضليل إعلامي مرتبطة بأنشطتها النووية. وقد كشفت هذه الصراعات الخفية عن ثغرات أمنية، وأججت شكوكاً متبادلة، وغالباً ما تركت المواطنين الإيرانيين غير واثقين ممّا ـ أو مَن ـ يصدقون.

كانت إحدى أعنف الضربات في عام 2010 مع اكتشاف ستاكس نت، الدودة الحاسوبية المتقدمة التي تسللت بصمت إلى أنظمة التحكّم في منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم. وُصف ستاكس نت ـ على نطاق واسع لاحقاً ـ بأنه سلاح سيبراني أميركي-إسرائيلي مشترك، وأنه دمّر قرابة ألف جهاز طرد مركزي وأخّر عمل التخصيب الإيراني [16]. أقرّ المسؤولون الإيرانيون آنذاك بحدوث هجوم برمجي لكنهم قللوا من حجم الأضرار؛ ومع ذلك شكّل الحادث إحراجاً علنياً لجهاز الأمن الذي يتفاخر به النظام. وللرأي العام الإيراني، كان ستاكس نت جرس إنذار بأن خصوماً أجانب قادرون على اختراق حتى المنشآت النووية بالغة السرية. وقد بدّد الهجومُ رواية الدعاية الرسمية عن حصانة إيران في مواجهة «الأعداء». ورداً عليه، سرّعت طهران برنامجها السيبراني دفاعاً وهجوماً معاً، حتى صارت وحداتها في غضون أعوام «قوة يُعتدّ بها» وفق تقييمات غربية [16]. وبحلول 2012-2013، نُسب إلى قراصنة إيرانيين هجماتٌ انتقامية على مصارف وبنى تحتية أجنبية [16]، ليتصاعد الصراع السيبراني المتبادل حول الملف النووي.

كل ذلك أسهم في خلق جو من الشك العام. ففي داخل إيران، تعلّم الناس أن يأخذوا التصريحات الرسمية بشأن البرنامج النووي بحذر، ظانّين أنها ناقصة أو دعائية. ويمتد هذا التشكيك إلى الادعاءات الأجنبية أيضاً؛ فكثير من الإيرانيين لا يثقون تماماً بالسرديات الغربية، في ظل ذكريات المبالغة في مزاعم أسلحة الدمار الشامل بحرب العراق وإدراك عام بأن بلادهم مستهدفة من استخبارات معادية. والنتيجة مواطنون عالقون في ضباب معلوماتي: يدركون وجود خطب ما ـ إذ تُخترق مواقعهم النووية ولا يقول قادتهم الحقيقة كاملة ـ لكن المعلومات الموثوقة نادرة.

على المدى البعيد، يُعَدّ هذا التآكل في الثقة ضاراً للغاية. فكان يُفترَض بالبرنامج النووي أن يكون مصدراً للفخر الوطني، لكن السرية الدائمة والمعلومات المضللة جعلته مصدراً للارتياب. وعندما لا يستطيع الناس الوثوق بحكومتهم أو بالقوى الخارجية، تتجذر اللامبالاة والتشاؤم، خاصة بين الشباب. وتشير استطلاعات داخلية وأدلة سردية إلى أن كثيراً من الإيرانيين لم يعودوا يصدقون التأكيدات الوردية للحكومة بشأن الإنجازات النووية، ولا يتبنون تلقائياً القصص التخويفية الأجنبية؛ بل ينصرفون عنها، ساخطين على جميع الأطراف. إن هذه «التعب المعلوماتي» انتصار للمتشددين الذين يفضلون جمهوراً منزوع القوة؛ لكنه يعني أيضاً أنه إذا نشبت أزمة نووية حقيقية، فقد لا يلتفّ الشعب حول العلم بالسرعة التي يأملها النظام.

خلاصة القول إن الهجمات السيبرانية وحملات التضليل المحيطة بالمسعى النووي الإيراني قوّضت إحدى أهم عملات النظام: ثقة شعبه. فكل ستاكس نت وأرشيف سري، وكل تستر ونظرية مؤامرة، ينتقص من مصداقية القادة والإعلام. وفي عصر تُعَدّ فيه «الأمن الناعم» ـ أي الثقة بين الدولة والمجتمع ـ مهمة بقدر القوة العسكرية الصلبة، خلّف البرنامج النووي الإيراني أزمة أمن ناعم داخلياً: جمهور شكّاك، متشائم، يتلمّس طريقه في الظلام.

تكميم العلم وتجويف المؤسسات الأكاديمية

لقد أثّر تسييس البرنامج النووي الإيراني بعمق في المجتمع العلمي والأكاديمي، خصوصاً بعد 2010. ففي سعيها لضمان الانضباط الأيديولوجي وإقصاء المعارضين، شنّت الجمهورية الإسلامية حملة قمع على العلماء والأكاديميين الذين لا يلتزمون الخط الرسمي، بينما أدّى مناخ القمع والركود الاقتصادي إلى تغذية هجرة أدمغة هائلة للمواهب. وكانت النتيجة تفريغ الجامعات والمعاهد البحثية الإيرانية ـ التي كانت يوماً مصادر فخر وطني ـ وخنق الحرية الفكرية في ميادين تتجاوز الفيزياء النووية بكثير.

عقب احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009 وتصاعد هيمنة التيار المتشدِّد، شرعت الحكومة الإيرانية علناً في تطهير الوسط الأكاديمي من الأصوات المستقلة. ففي آذار/مارس 2010، أعلن وزير العلوم، كامران دانشجو، أنّ أي عضو هيئة تدريس لا «يشارك النظام توجهه» ولا يُظهر ولاءً كاملاً للمرشد الأعلى سيُقصى [17]. وخلال أسابيع، أُجبر عشرات الأساتذة ـ بمن فيهم علماء لا علاقة لهم بالسياسة وباحثون مشهود لهم دولياً ـ على التقاعد المبكر أو فُصلوا. وحذّرت الحملة الدولية لحقوق الإنسان في إيران حينها من أنّ «تطهير إيران للأساتذة الذين يبدون آراء مستقلة هو اعتداء على الحرية الأكاديمية» سيُفضي إلى «تسييس الجامعات الإيرانية وإفراغها من قيمتها، وهي التي طالما مثّلت مصدر فخر وموضع إعجاب لدى العلماء حول العالم» [17]. وقد تحقق ذلك فعلاً؛ إذ باتت التعيينات الأكاديمية تعتمد على الولاء الأيديولوجي أكثر من الكفاءة، وشهدت تخصصاتٌ من العلوم السياسية إلى الهندسة تعديلاتٍ في المناهج لتتماشى مع سرديات الجمهورية الإسلامية. وتعلّم الباحثون ممارسة الرقابة الذاتية في الموضوعات الحساسة ـ بما في ذلك السياسات النووية ـ أو المخاطرة بخسارة وظائفهم. ففي حادثة دالّة، فُصل أستاذان كبيران في الهندسة عام 2010 بعدما احتجّا على عنف قوات الأمن ضد المتظاهرين الطلابيين [17]. وكانت الرسالة واضحة: حتى العلماء مُطالَبون بالانضباط وفق أرثوذكسية النظام السياسية.

وامتدَّ مناخ الترهيب هذا إلى مجتمع العلماء النوويين نفسه؛ فبينما تُمجِّد إيران علناً علماءها النوويين أبطالاً قوميين، تُبقي الأجهزةُ الأمنية رقابةً لصيقةً عليهم في السرّ. إذ يُهمَّش مَن يدعو إلى شفافية أو دبلوماسية أوسع، أو حتى يبدي قلقاً بشأن مسائل الأمان. وقد أقصي عدد من الخبراء النوويين المعتدلين الذين فضّلوا الحدَّ من التخصيب (لتخفيف العقوبات) خلال عهد أحمدي نجاد، لصالح المتشددين. وأُعيد تكليف بعض الخبراء التقنيين المشكوك في ولائهم أو ضُغط عليهم للصمت. كما أضفت سلسلة اغتيالات العلماء النوويين بين 2010 و2012 (ومجدداً عام 2020) ظلالاً مروعة؛ فالشبابُ العاملون في هذا المجال باتوا يخشون الأعداء الخارجيين، ويعلمون في الوقت نفسه أنّ جهاز الاستخبارات قد يشتبه بأي تواصل أو سلوك غير معتاد ويعدّه خيانة. وتحدثت تقارير عن تدقيق الحكومة في اتصالات المهندسين النوويين وفرض قيود على سفرهم للخارج بدعوى منع التجسس. وبهذا تلاشت روح البحث والنقاش النقدي داخل مؤسسات العلم الإيرانية، ولا سيما في الموضوعات المتشابكة مع السياسة النووية أو الأمن القومي.

ومع تقلُّص الفرص والحريات الأكاديمية، اختار كثير من خيرة العقول الإيرانية مغادرة البلاد، ما أسهم في نزيفٍ حاد للكفاءات. لطالما حلت إيران بين الدول الأولى في تصدير المواهب المتخصصة، وقد تسارع هذا الاتجاه في العقد الماضي بسبب تلاقي العقوبات (التي حدّت من الموارد وفرص العمل البحثي) والقمع (الذي قيد الحياة الفكرية). وبحلول أواخر 2024، أقرّ مسؤول حكومي إيراني بأنّ «25٪ من أساتذة الجامعات» قد هاجروا في السنوات الأخيرة [18] ـ وهو استنزاف مذهل لرأس المال البشري. ولا يقتصر النزوح على علماء الإنسانيات والاجتماع الذين تعرضوا لضغوط أيديولوجية، بل يشمل أيضاً علماءَ الطبيعة والمهندسين والأطباء المحبطين من تدنّي التمويل والعزلة. وقد سعى العديد من خريجي الهندسة النووية الشباب إلى فرص دكتوراه في الخارج ولم يعودوا، نظراً لتراجع الآفاق في الداخل. لهذا النزيف آثار ملموسة: إذ تفقد الجامعات الإيرانية الأساتذة ذوي الخبرة والطلاب المتفوقين، فتتقلص قدرتها على البحث والابتكار. وفي المجالات التقنية المتقدمة، تعتمد إيران على نواة محدودة من الخبراء المتقدمين في السن، فيما يغادر الجيل الجديد أو يبقى بلا حافز في بيئة تفتقر إلى حوافز التميز وتخضع لقيود سياسية صارمة.

حتى عندما يبقى العلماءُ الإيرانيون داخل البلاد، فإنّهم يواجهون عقبات بنيويّة تُفرِّغ الجودة الأكاديميّة. فالتعاونُ الدولي، الضروري للتقدّم العلمي، تضرّر بشدّة إبّان سنوات العقوبات؛ إذ كثيراً ما عجز الباحثون عن حضور المؤتمرات أو اقتناء الأجهزة الحديثة. بين 2005 و2015 هبط معدّل النشر المشترك مع علماء أجانب ــ دلالةً على عزلةٍ علميّةٍ متزايدة. (لم يبدأ هذا المنحى بالانعكاس إلّا بقدرٍ يسيرٍ بعد اتفاق 2015 حين خُفِّفت العقوبات، وشرع بعضُ العلماء الإيرانيّين المغتربين في مشاريع مشتركة). وأظهرَت دراسةٌ لمشروع «إيران 2040» في ستانفورد أنّ إنتاجَ إيران العلمي ارتفع كمّاً، لكنّ جانباً كبيراً منه تركز في دوريات منخفضة التأثير واندرج في ثقافة «انشر أو تَفْنَ» [19] [19]. والدلالةُ الأبرز أنّ جزءاً ملحوظاً من الأبحاث عالية الاستشهاد التي تضمّ مؤلِّفين إيرانيّين كان هؤلاء المؤلِّفون مقيمين بالخارج، ما يشير إلى أنّ كثيراً من أبرز العقول لم يَعُد يعمل داخل البلاد [19]. في المقابل، ارتفعت حوادثُ الانتحال والغشّ في الدوريات الإيرانيّة، ويُعزى ذلك إلى تدهور المعايير الأكاديميّة تحت إدارةٍ مؤدلَجة. باختصار، تُنتِج منظومةُ التعليم العالي أوراقاً أكثر، لكن بألقٍ ابتكاريّ أقلّ، إذ يستحيل انتعاشُ الحيويّة العلميّة تحت شرطة أيديولوجيّة وحجرٍ دولي.

ولا يقتصر هذا التجويف على الكمّ، بل يشمل الكيف أيضاً. فقد فقدت أقسامٌ جامعيّةٌ كانت يوماً رائدةً في المنطقة بريقَها. لا تزال «جامعة شريف للتكنولوجيا» بطهران تُخرِّج كبارَ المهندسين، غير أنّ كثيراً من أساتذتها اللامعين وخريجيها يعملون اليوم في وادي السيليكون أو مختبراتٍ أوروبيّة، بدل الإسهام في اقتصاد إيران وقاعدتها العلميّة. ويحمل نزيفُ هذا العدد الكبير من المهنيّين آثاراً بعيدة: إذ تواجه إيران نقصاً في الاختصاصيّين (مثلاً في الحقول الطبيّة المتقدّمة)، وتضاؤلاً في خزان الخبراء القادرين على إنجاز مشاريع وطنيّة معقّدة. والمفارقة أنّ البرنامج النووي نفسَه ربّما تضرّر من هذه الهجرة؛ فإذا احتاجت إيران يوماً إلى خبراءَ شديدي التخصّص ــ كمهندسي سلامةٍ نوويّة أو مصمّمي مفاعلات ــ فقد تعجز عن إيجادهم محليّاً، لأنّ سنوات العقوبات والعزلة إمّا دفعتهم إلى الخارج، وإمّا ثبّطت نشأتَهم.

في نهاية المطاف، أدّى تحكُّمُ النظام الصارم بالقطاع الأكاديمي ــ بدافع حماية البرنامج النووي وأُسس الثورة من التحدّي الفكري ــ إلى تقويض الأمن العلمي لإيران. فالمؤسّسة العلميّة النابضة تعتمد على تبادلٍ حرٍّ للأفكار والتفكير النقدي وتدفّقٍ مفتوحٍ للمعرفة. وبقمع هذه المقوِّمات باسم الولاء السياسي، أضعفت إيران ذاتَها ومؤسّساتٍ تُعِدّ علماءَ المستقبل. صار البرنامجُ النووي بمثابة اختبارِ ولاء؛ فمَن لا يعلن دعماً مطلقاً يصمت أو يغادر. وعلى المدى القصير أُزيحت أصواتٌ معارضة قد تشكّك في كلفة التحدّي النووي، لكنّ المدى الطويل حرم البلاد من جيلٍ من القادة العلميين، وفرّغ الجامعات والمختبرات إلى حدٍّ سيستغرق عقوداً لملئه. وكما شكا أكاديميّ إيرانيّ في المنفى: «إنّ إيران تفقد عقولَها ــ أولئك الذين كان بإمكانهم حلَّ مشكلاتنا». وسيُحَسُّ أثرُ هذا النزوحِ العلميّ والإسكات سنينَ طويلةً مقبلة، فهو خسارةٌ خفيّة في المواجهة النوويّة، لا تبدو واضحةً مثل أجهزة الطرد المركزي أو العقوبات، لكنّها حاسمةٌ لمستقبل إيران.

الرمزيةُ، الشهادةُ، ودعايةُ الاغتيالاتِ

يعمدُ النظامُ الإيراني إلى أسطرةِ العلماءِ النوويين الذين جرى اغتيالُهم، مُحوِّلاً إياهم من ضحايا عاديين إلى رموزٍ قويةٍ للشهادةِ والمقاومةِ. ومن خلال تقديسِ موتِهم، يسعى إلى تعزيزِ التأييدِ الشعبيِّ للبرنامجِ النوويِّ وتصويرِ إيران أُمّةً فاضلةً تتعرّضُ لهجومِ أعداءٍ خبيثين. وتستندُ هذه الاستراتيجيةُ الدعائيةُ إلى «ثقافةِ الشهادةِ» الأوسعِ في الجمهوريةِ الإسلامية، التي تُجلُّ مَن يموتُ دفاعاً عن الوطنِ أو العقيدةِ، وتُسقِطُها على المجالِ النوويِّ.

حين يُقتَلُ عالمٌ نوويٌّ ـــ سواءٌ كان مجيدُ شهرياري ومسعودُ علي‌محمدي عامَ 2010، أو مصطفى أحمدي روشن عامَ 2012، أو محسنُ فخري‌زاده عامَ 2020 ـــ يُسرعُ المسؤولونَ الإيرانيون إلى تنصيبهم «شهداءَ» للثورةِ الإسلاميةِ. ففي كلّ حالةٍ، يصدرُ آيةُ الله الخامنئي رسائلَ تعزيةٍ يُؤطّرُ فيها الموتَ بإطارٍ دينيٍّ ووطنيّ؛ فبعدَ اغتيالِ فخري‌زاده، أشادَ الخامنئي «بجهودهِ العلميةِ العظيمةِ والدائمةِ»، وصرّح أنّه «ضحّى بحياتهِ في سبيلِ الله» فبلغَ «المرتبةَ الرفيعةَ للشهادةِ» كـ«جزاءٍ إلهيٍّ» [20]. كما «هنّأَ» عائلتَه وزملاءَه بهذا الاستشهادِ [20]، وأكّدَ وجوبَ مضاعفةِ «الجهودِ العلميةِ والتقنيةِ للشهيدِ» وأن تُلاحقَ السلطاتُ «بصرامةٍ» منفّذي الجريمةِ [20]. وهكذا يتحوّلُ الحدثُ المأساويُّ الفرديُّ إلى نداءٍ وطنيٍّ للعملِ: لقد ماتَ هؤلاء من أجلِ القضيةِ النوويةِ، فعلى الأمةِ أن تُكرمَهُم بمتابعةِ العملِ والثأرِ لدمائهم.

تُضخّمُ وسائلُ الإعلام الرسميةُ هذه الرسالةَ عبر تغطيةٍ واسعةٍ لـالجنازاتِ والمآتمِ. تُبَثُّ مراسمُ تشييعِ العلماءِ القتلى مباشرةً على قنواتِ صدا وسيما، حيثُ تُعرَضُ النعوشُ المغطاةُ بالأعلامِ وحرسُ الشرفِ والنائحون من الأُسَرِ على الجمهورِ. ويحضرُ كبارُ المسؤولين، مُلقينَ خطاباتٍ تُشبِّهُ العلماءَ بشهداءِ حربِ الثمانينيات مع العراق. وتُنتقى الصورُ بعنايةٍ: لوحاتٌ ضخمةٌ للفقيدِ إلى جانبِ رموزٍ نوويةٍ (ذراتٍ، مفاعلاتٍ) وأيقوناتٍ دينيةٍ، تأكيداً على أنّ هؤلاء كانوا علماءَ وجنداً لله معاً. كما تُسمَّى الشوارعُ والمدارسُ والمراكزُ البحثيةُ سريعاً باسمِ «شهداءِ النووي». وفي يومِ التكنولوجيا النووية الوطني كلَّ عامٍ، تُستحضرُ تضحياتُهم بوصفِها محوراً للتقدّمِ النوويِّ في إيران.

ويحظى ذوو الشهداءِ بمنصّةٍ بارزةٍ في جهودِ الدعايةِ. تُدعى الأراملُ والآباءُ والأبناءُ إلى مقابلاتٍ ومراسمَ تُردِّدُ تصريحاتُهم غالباً السرديةَ الرسميةَ. ففي بعضِ الحالاتِ، يُعبِّرُ هؤلاء عن قناعةٍ حقيقيةٍ بالأيديولوجيا؛ وفي أُخرى يبدو عليهم تلقينٌ واضحٌ. فقد ذكرت أرملةُ محسنِ فخري‌زاده، ظاهرةً على التلفزيونِ الرسميِّ مرتديةً الشادورَ الأسودَ، أنّ «أمنيتَه» كانت أن يموتَ شهيداً وأنّ «أمنيتَه تحقّقت» [21]، مؤكِّدةً بهدوءٍ أنّ اغتيالَه سيُحفِّزُ «ألفَ شخصٍ ليُتابعوا عملَه» دفاعاً عن إيران [21]. وبالمثل، نُقِل عن زوجةِ مصطفى أحمدي روشن أنّ هدفَه «الأسمى كان محوَ إسرائيل» [22]، وهي عبارةٌ تنسجمُ تماماً مع خطابِ المتشدّدين. وتُسهمُ هذه الشهاداتُ الأُسريةُ، سواءٌ أكانت صادقةً أم مُفتعلةً، في إضفاء طابعٍ إنسانيٍّ على الشهداءِ وإبرازِ إخلاصِهم لقضيةِ الجمهوريةِ الإسلاميةِ؛ فهي تُبيّنُ أنّ العلماءَ لم يقدّموا حياتَهم طوعاً فحسب، بل إنّ أُسَرَهم تَفخرُ بتضحيتهم، في محاولةٍ لغرسِ الفخرِ والغضبِ العادلِ في نفوسِ الجمهورِ الإيرانيِّ.

الرمزيةُ، الشهادةُ، ودعايةُ الاغتيالاتِ

يعمد النظامُ الإيراني عن قصدٍ إلى أسطرةِ العلماءِ النوويّين الذين جرى اغتيالُهم، مُحوِّلًا إيّاهم من ضحايا عاديّين إلى رموزٍ قويّةٍ للشهادةِ والمقاومة. ومن خلال تقديس موتهم، يسعى إلى تدعيم التأييد الشعبيّ للبرنامج النوويّ وتصوير إيرانَ بوصفها أمّةً فاضلةً تتعرّض لهجوم أعداءٍ خبيثين. تستند هذه الاستراتيجيةُ الدعائيّةُ إلى «ثقافةِ الشهادةِ» الأوسع في الجمهوريّةِ الإسلاميّة—وهي توقيرُ مَن يموت دفاعًا عن الوطنِ أو العقيدة—وتُسقطُها على المجالِ النوويّ.

عندما يُقتَلُ عالمٌ نوويّ—سواء مجيد شهرياري ومسعود علي‌محمدي عام 2010، أو مصطفى أحمدي روشن عام 2012، أو محسن فخري‌زاده عام 2020—يسارع المسؤولون الإيرانيّون إلى تنصيبه «شهيدًا» للثورة الإسلاميّة. ويُصدر آيةُ الله علي خامنئي في كلّ مرّة رسائلَ تعزيةٍ يُؤطِّر فيها الموتَ بإطارٍ دينيٍّ ووطنيّ. فبعد اغتيال فخري‌زاده، أثنى المرشدُ الأعلى على «جهوده العلميّة العظيمة والدائمة»، وصرّح بأنّه «ضحّى بحياته في سبيل الله» فبلغ «المرتبة الرفيعة للشهادة» كـ«جزاءٍ إلهيّ» [20]. كما «هنّأ» عائلتَه وزملاءَه بهذا الاستشهاد [20]، وأكّد ضرورة مضاعفة «جهود الشهيد العلميّة والتقنيّة» وأن «يُلاحَق» الجناةُ بحزم [20]. وهكذا يتحوّل الحدثُ المأساويُّ الفرديُّ إلى نداءٍ وطنيّ للعمل: مات هؤلاء من أجل القضيّة النوويّة، فعلى الأمّةِ أن تُكرمهم بمتابعة العملِ والثأر لدمائهم.

تُضخِّم وسائلُ الإعلامِ الرسميّةُ هذه الرسالةَ عبر تغطيةٍ واسعةٍ لـالجنازاتِ والمآتمِ. تُبَثُّ جنازاتُ العلماءِ المقتولين مباشرةً على صدا وسيما، حيث تُعرَض النعوشُ الملفوفةُ بالأعلامِ، وحرسُ الشرفِ، ودموعُ أفرادِ الأسرةِ أمام الجمهور. ويحضر كبارُ المسؤولين، ملقين خطبًا تشبّه العلماءَ بشهداءِ حربِ الثمانينيات مع العراق. وتُنتقى الصورُ بعناية: لوحاتٌ كبيرةٌ للفقيدِ إلى جانب رموزٍ نوويّةٍ (ذرات، مفاعلات) وأيقوناتٍ دينيّة، تأكيدًا على أن هؤلاء كانوا علماءَ وجنودًا لله معًا. تُسمّى الشوارعُ والمدارسُ والمراكزُ البحثيّةُ سريعًا باسم «شهداء النوويّ». وفي اليوم الوطني للتكنولوجيا النوويّة كلَّ عام، تُستحضر تضحياتهم بوصفها محورًا للتقدّم النوويّ الإيرانيّ.

وتُمنَح عائلاتُ الشهداءِ منصّةً بارزةً في جهودِ الدعاية. تُدعى الأراملُ والآباءُ والأبناءُ إلى مقابلاتٍ ومراسمَ يبدو أنّ تصريحاتِهم كثيرًا ما تعكس السرديّةَ الرسميّة. ففي بعض الحالات، يؤمن هؤلاء حقًّا بالأيديولوجيا؛ وفي أخرى يظهر أثرُ التلقين. فقد صرّحت أرملةُ محسن فخري‌زاده، في ظهورها على التلفزيون الرسميّ مرتديةً الشادور الأسود، بأن «أمنية» زوجها كانت أن يموت شهيدًا وأن «أمنيته تحقّقت» [21]. وأخبرت المعزّين بهدوءٍ أنّ اغتيالَه سيُحفّز «ألفَ شخصٍ على متابعة عمله» دفاعًا عن إيران [21]. وبالمثل، نُقِل عن زوجة مصطفى أحمدي روشن قولها لوكالة فارس إنّ «هدفه النهائيّ كان إبادة إسرائيل» [22]—وهو تصريحٌ ينسجم تمامًا مع خطاب المتشدِّدين. وتعمل هذه الشهاداتُ الأسريّةُ، صادقةً كانت أم تمثيليّة، على إضفاء الطابع الإنسانيّ على الشهداءِ وإبراز تفانيهم لقضيّة الجمهوريّة الإسلاميّة، مؤكِّدةً أنّ العلماءَ لم يقدّموا حياتهم طوعًا فحسب، بل إنّ ذويهم يفخرون بتضحيتهم، في محاولةٍ لغرس الفخرِ والغضبِ العادلِ في نفوس الجمهور الإيرانيّ.

يلعب الأيقونوغرافيا البصريّة دورًا محوريًّا في ترسيخ أسطورةِ الشهداءِ النوويّين. ففي مدن إيران، تُعرَض لوحاتٌ ضخمةٌ تُبرز وجوهَ العلماءِ المقتولين إلى جانب شعاراتٍ ملهمة. وغالبًا ما تُصوّر هذه الصورُ الشهداءَ بإضاءةٍ تُشبه الهالة، أو تدمجهم في تركيباتٍ مع علمِ إيران ورموزٍ نوويّةٍ وزخارفَ دينيّة. ويبرز ملصقٌ شائعٌ يظهر ثلاثةَ علماءٍ قُتلوا حتّى 2012، مبتسمين بملابس المختبر تحت عبارة «شهداء النوويّ – أبطال الوطن»، رابطًا ضمنيًّا ذكراهم بكرامة إيران الوطنيّة. تبثُّ القناةُ الرسميّة وثائقيّاتٍ تروي سير حياتهم—دائمًا ما تشدِّد على التقوى والوطنية والعبقرية—وتستعيد لحظات اغتيالهم بموسيقى مؤثِّرة. حتّى الكتبُ المدرسيّةُ أدرجت فصولًا عن الشهداءِ النوويّين، تمجِّد إسهاماتهم العلميّة وشجاعتهم في مواجهة «الإرهاب الغربيّ–الصهيوني». والرسالةُ الموجّهةُ إلى الجيل القادم واضحة: هؤلاء نماذجُ تجمع بين المعرفة العلميّة والإيمان وحبّ الوطن، وقد دفعوا الثمن الأعلى بيدِ عدوٍّ جبان.

ومن خلال توظيف هذه الوفيات، يسعى النظامُ كذلك إلى تعبئة التأييد الشعبيّ ضدّ الضغوط الخارجيّة. فكلّ اغتيالٍ يُقدَّم دليلًا على خبث العدوّ وعدالة قضيّة إيران. يذكّر المسؤولون باستمرارٍ بأنّ هؤلاء العلماءَ مدنيّون غيرُ مسلّحين يعملون على تكنولوجيا سلميّة، وقد اُغتيلوا بدمٍ بارد—وبذلك يُصوَّر مَن يُتَّهَم بقتلهم، كإسرائيل أو الولايات المتحدة، بوصفه الإرهابيَّ الحقيقيَّ. تُغذّي هذه السرديّةُ ذهنيّةَ الحصار التي تبرّر استمرار البرنامج النوويّ: «نتعرّض للهجوم لأنّنا نمارس حقوقنا، ولذلك يجب ألّا نستسلم أبدًا». بعد مقتل فخري‌زاده عام 2020، استغلّ المتشدِّدون الغضبَ الشعبيَّ للدفع نحو تخصيب اليورانيوم بمستوياتٍ أعلى، مُقوِّضين سريعًا آمالَ إحياء الاتفاق النوويّ، بحجة أنّ التنازل خيانةٌ للشهداء. وظهرت لوحاتٌ تنقل كلماتِ فخري‌زاده عن الاكتفاء العلميّ، تُحثّ شبابَ إيران على الاقتداء به.

وبطبيعة الحال، هناك حساباتٌ براغماتيّة في هذه الدعايةِ. فالنظامُ نفسُه الذي يمجّد هؤلاء العلماءَ كأبطالٍ أخفق أيضًا في حمايتهم من الاغتيال—وهو أمرٌ لم يغب عن النقّاد. وقد تساءل بعضُ المحلّلينَ وأفرادٌ من أسر الشهداءِ (في جلساتٍ خاصّة) عمّا إذا كان النظامُ يستثمرهم بعد موتهم أكثر ممّا قدّرهم في حياتهم. غير أنّ أيَّ نقدٍ علنيٍّ يبقى مكتومًا؛ فالسرديّةُ الاستشهاديّةُ لا تسمح بالتشكيك في تقصيرٍ أمنيٍّ، بل تفرض الاحتفاءَ بالتضحيةِ وإلقاء اللومِ على الأعداء الخارجيّين. وبالنسبة لكثيرٍ من الإيرانيّين المتديّنين أو القوميّين، تلقى هذه الدعايةُ صدىً حقيقيًّا: فصورةُ العالمِ الشهيد تجمع نموذجين مقدّسين—شهيدَ الحرب والرائدَ العلميّ—وتستثير استجابةً عاطفيّةً واستعدادًا لتحمّل المشاقّ باسمه.

وخلاصة القول، حوّلت الجمهوريّةُ الإسلاميّةُ اغتيالاتِ علمائها النوويّين إلى أداةٍ دعائيّةٍ بالغة التأثير. فمن خلال حزنٍ مُنَظَّمٍ وصياغةِ أسطورة، بَنَت سرديّةً تُفيد بأنّ هؤلاء الأفراد لم يموتوا عبثًا، بل نالوا مجدًا أبديًّا. ويُقال للإيرانيّين إنّ دماءَهم تروي شجرة التقدّم النوويّ. ففي حياتهم كان هؤلاء العلماءُ مجهولين إلى حدٍّ كبير؛ أمّا في موتهم فقد رُفِعوا إلى مصافّ الرموز، وأُعيدت كتابةُ سيرهم لخدمة رسالة الدولة. إنّ استثمارَ الشهادةِ هذا لا يعزّز الروحَ المعنويّةَ الداخليّة ويبرّر استمرارَ البرنامج النوويّ بأيّ ثمنٍ فحسب، بل ينسجم أيضًا مع استراتيجيةِ النظامِ الطويلةِ الأمد في استخدام الرمزيّةِ والذاكرةِ الجمعيّةِ ركائزَ لشرعيّته. لقد بات شهداءُ النوويّ أرواحًا مقدّسةً لمسعى إيران الذرّيّ، خالدةً في الوجدان الوطنيّ بوصفهم المثالَ الأسمى للثمنِ المدفوعِ لقاء السيادةِ التكنولوجيّة.

المقاومة والمجتمع المدني: أصوات ضد السرّية

على الرغم من القبضةِ المحكمةِ التي يفرضها النظامُ على الخطابِ النووي، سعى طيفٌ واسعٌ من فاعلي المجتمعِ المدني ـــ من خبراءِ المهجر والعلماءِ المنشقّين إلى المدافعين عن حقوقِ الإنسان والصحفيّين المستقلّين ـــ إلى مواجهةِ السرّية والدعايةِ المحيطةِ ببرنامجِ إيرانَ النووي على مدى السنوات الماضية. وتمثّلُ جهودُهم، رغم ما تتعرّض له غالباً من كبح، سرديّةً بديلةً تُعلي قيمةَ الشفافية والمساءلة ورعايةَ مصالحِ المواطنين الإيرانيّين على حساب صناعةِ الأساطير القومية أو المناورات الجيوسياسية.

داخلَ إيران، تكادُ الانتقاداتُ العلنيّةُ للبرنامجِ النوويّ تكونُ من المحرّمات؛ إذ خضعت التغطيةُ المستقلّةُ للقضية لرقابةٍ شديدة، ويواجهُ الصحفيّون العقابَ إذا تجرّأوا على التشكيكِ في السياسة الرسميّة (أشارت مراسلون بلا حدود إلى أنّ السلطاتَ الإيرانية قد قمعت التغطيةَ المستقلةَ للملفّ النووي) [25] [25]. ومع ذلك حاولت بعضُ الأصوات الشجاعة إثارةَ المخاوف؛ ففي مناسباتٍ قليلةٍ حثّ سياسيّون ومفكّرون إصلاحيّون الحكومةَ على النظرِ في تكاليف المواجهةِ النوويّة. وألمح قادةُ المعارضةِ خلال حركةِ الاحتجاج الخضراء عام 2009 ـــ مثل مير حسين موسوي ـــ إلى أنّ موقفَ النظام النوويّ المنعزل يضرّ بالبلاد، وإن صيغَ هذا النقدُ بعباراتٍ حذِرة. وفي البرلمان دعا عددٌ محدودٌ من النوّاب البراغماتيّين بهدوء إلى مزيدٍ من التعاونِ مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتجنّبِ عقوباتٍ إضافيّة. وغالباً ما كان المتشدّدون يُسكتون هذه الأصواتَ باتهامها بالوقوفِ مع العدو. وبوجهٍ عامّ، كُمِّم النقاشُ الحقيقيُّ حول البرنامج النوويّ داخلَ إيران؛ فقد سُجن صحفيّون ومحلّلون تجاوزوا الخطوط الحمراء، وذهب نداءُ شيرين عبادي لإجراءِ حوارٍ وطنيّ بشأن الملف النووي، المدعومُ من جماعاتِ حريةِ الصحافة، أدراجَ الرياح بينما التزمت وسائلُ الإعلام الرسميةُ الخطَّ المرسوم. حتى نشطاءُ البيئةِ اصطدموا بالدولة الأمنية: إذ سُجن عام 2018 عددٌ من باحثي الحياةِ البرّية بتهمِ تجسّس لأنّ كاميراتهم الميدانية قرب مواقع حسّاسة أثارت هوسَ النظام بالتجسس النووي. وكانت الرسالةُ للمجتمعِ المدنيّ الإيراني واضحةً: البرنامجُ النوويّ منطقةٌ محرّمةٌ على التدقيق.

لذلك انتقلت المواجهةُ الحقيقيّة إلى الشتاتِ الإيراني والمجتمعِ المدني الدولي. فقد عبّر إيرانيون بارزون في المنفى، بعيداً عن قمعِ طهران، صراحةً عن تأثير الملفّ النوويّ في حقوقِ الإنسان والحياةِ اليومية. على سبيل المثال، تؤكد الحائزةُ جائزةَ نوبل للسلام شيرين عبادي باستمرار أنّ انهماك المجتمع الدوليّ في برنامجِ إيران النووي جاء على حسابِ حقوقِ الشعب الإيراني. وحذّرت قائلةً: «لقد صرف المجتمع الدوليّ نظرَه عن مشكلةِ حقوق الإنسان في إيران ليركّز على البرنامج النووي»، مشدّدةً على أنّ الإيرانيّين لا يجب أن «يدفعوا الثمن» مقابل سياساتِ النظام [25] [25]. ودعت عبادي وآخرون إلى قدرٍ أكبر من الشفافيةِ في القرارات النوويّة الإيرانية — بل واقترحوا استفتاءً وطنيّاً حول ما إذا كان ينبغي للمشروع، بكلّ تكاليفه، أن يستمر. وردّدت منظماتُ حقوق الإنسان هذه الدعوات، مشيرةً إلى أنّ الحكومة تحتجّ بـ«السيادة الوطنية» لتبرير السرّية النووية، بينما يتحمّل المواطنون أعباءَ العقوباتِ والقمع. وفي عام 2014، ناشد ائتلافٌ من منظماتِ المجتمع المدني الإيراني الأممَ المتحدةَ الضغطَ على طهران لمزيدٍ من الانفتاح بشأن أنشطتها النووية، رابطين انعدامَ الشفافية بالقمعِ الأوسع للحريات المدنية. وكانت مناشدتُهم بسيطةً: مصيرُ البرنامجِ النوويّ لا ينبغي أن يُقرَّر خلف أبوابٍ مغلقةٍ على أيدي مسؤولين غير خاضعين للمساءلة، بل بمشاركةِ شعبِ إيران.

المقاومة والمجتمع المدني: أصوات ضد السريّة

على الرغم من القبضة المحكمة التي يفرضها النظام على الخطاب النووي، فقد سعى طيفٌ متنوع من فاعلي المجتمع المدني – من خبراء المهجر والعلماء المنشقين إلى المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين المستقلين – على مدى الأعوام إلى مواجهة السرّية والدعاية المحيطة ببرنامج إيران النووي. وتمثّل جهودهم، وإن كُمِّمت في كثير من الأحيان، سردية بديلة تُقدّم الشفافية والمساءلة ورفاه المواطنين الإيرانيين على صناعة الأساطير القومية أو المناورات الجيوسياسية.

داخل إيران، تكاد الانتقادات العلنية للبرنامج النووي تكون من المحرّمات؛ إذ خضعت التغطية المستقلة للقضية لرقابة مشددة، ويُعرِّض الصحفيون أنفسهم للعقاب إذا شككوا في السياسات الرسمية (أشارت منظمة مراسلون بلا حدود إلى أنّ السلطات الإيرانية قَمَعت التغطية المستقلة للملف النووي) [25] [25]. ومع ذلك، حاولت بعض الأصوات الشجاعة إثارة المخاوف. ففي أحيان قليلة، حث سياسيون ومفكرون إصلاحيون الحكومة على النظر في تكاليف المواجهة النووية. خلال احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، لمح قادة المعارضة مثل مير حسين موسوي إلى أنّ موقف النظام النووي المنعزل يضر بالوطن، وإن بصياغات حذرة. وفي البرلمان، دعا عدد محدود من النواب البراغماتيين بهدوء إلى تعاون أوسع مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفادي عقوبات إضافية. لكن هذه الأصوات قوبلت بصيحات المتشددين الذين اتهموها بالوقوف إلى جانب العدو. وبوجه عام، جرى قمع النقاش الحقيقي حول البرنامج النووي داخل إيران؛ فقد سُجن صحفيون ومحللون تجاوزوا الخطوط الحمراء، وذهب نداء شيرين عبادي لإجراء حوار وطني بشأن الملف النووي، المدعوم من جماعات حرية الصحافة، أدراج الرياح، بينما التزم الإعلام الرسمي بالرواية الحكومية. حتى نشطاء البيئة اصطدموا بالدولة الأمنية: ففي 2018، سُجن عدد من باحثي الحياة البرية بتهم تجسس لأن كاميراتهم بالقرب من مواقع حساسة أثارت هوس النظام بالتجسس النووي. كانت الرسالة للمجتمع المدني الإيراني واضحة: البرنامج النووي منطقة محظورة على التدقيق.

ومن ثَمَّ، انتقلت المواجهة الحقيقية إلى شتات الإيرانيين والمجتمع المدني الدولي. فقد عبّر إيرانيون بارزون في المنفى، بعيداً عن قمع طهران، بصراحة عن أثر الملف النووي في حقوق الإنسان والحياة اليومية. على سبيل المثال، تؤكد الحائزة جائزة نوبل للسلام شيرين عبادي باستمرار أنّ انشغال المجتمع الدولي ببرنامج إيران النووي جاء على حساب حقوق الشعب الإيراني. وقالت: «لقد غيّب المجتمع الدولي مشكلة حقوق الإنسان في إيران ليركز على البرنامج النووي»، مؤكدة أنّ الإيرانيين لا ينبغي أن «يدفعوا الثمن» مقابل سياسات النظام [25] [25]. وقد دعت عبادي وآخرون إلى قدر أكبر من الشفافية في القرارات النووية، بل واقترحوا استفتاءً وطنياً حول ما إذا كان المشروع، بكل تكاليفه، ينبغي أن يستمر. ورددت منظمات حقوق الإنسان هذه المطالب، مشيرة إلى أنّ الحكومة تحتج بـ«السيادة الوطنية» لتبرير السرّية النووية، بينما يتحمل المواطنون وطأة العقوبات والقمع. في 2014، ناشد ائتلاف من منظمات المجتمع المدني الإيراني الأمم المتحدة الضغط على طهران لمزيد من الانفتاح بشأن أنشطتها النووية، رابطين انعدام الشفافية بالقمع الأوسع للحريات المدنية. وكانت مناشدتهم بسيطة: لا ينبغي أن يُقرَّر مصير البرنامج النووي خلف أبواب مغلقة على أيدي مسؤولين غير خاضعين للمساءلة، بل بمشاركة شعب إيران.

لعب الصحفيون المستقلون والمنفيون دوراً حيوياً في الالتفاف على التعتيم المعلوماتي الذي تفرضه طهران. فالقنوات الناطقة بالفارسية في الخارج – مثل «بي بي سي فارسي» و«راديو فردا» و«إيران إنترناشيونال» – تنشر بانتظام ما تمتنع وسائل الإعلام الرسمية عن بثه. فقد كشفت تفاصيل خفية عن حوادث نووية، وسرّبت وثائق حول أنشطة سرّية، وقدمت منبراً لخبراء يشككون في الادعاءات الحكومية. فعندما وقع انفجار غامض في مجمع بارجين العسكري عام 2014 (يُشتبه في صلته بتجارب نووية)، التزمت السلطات الإيرانية الصمت؛ بينما نشرت وسائل الإعلام في الشتات صور الأقمار الصناعية وتحليلات الخبراء التي رجحت وقوع حادث أو هجوم، ما اضطر النظام إلى الاعتراف. كما تضخم هذه المنصات أصوات مسؤولين وعلماء إيرانيين حاليين وسابقين يفضلون نهجاً أقل تصادمية. على مر السنين، تحدث عدد من المسؤولين والعلماء السابقين إلى الإعلام الدولي – غالباً باسم مستعار – ليعربوا عن قلقهم من أنّ فوائد البرنامج النووي لا تفوق عواقبه. ويُعد إفشاء الأسرار خطراً كبيراً (إذ قد يؤدي داخل إيران إلى السجن أو ما هو أسوأ)، لذا فإن معظم العلماء المعارضين يتحدثون بعد الانشقاق أو من المنفى. ولعل أبرز مثال مبكر كان كشف المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية عام 2002 عن منشآت نووية سرّية في نطنز وأراك [11]. فذلك الكشف المدوّي – على ما يكتنف الجماعة من جدل – أدى إلى عمليات تفتيش وأثبت أنّ النظام لم يكن شفافاً حتى بشأن مواقع نووية كبرى. وبذلك تبنى بعض المعارضين الإيرانيين نشاط المعلومات أداةً لمواجهة تعتيم النظام – إذ يسلطون الضوء على ما يُبقيه في الظل.

وقد التفَّ المجتمع المدني أيضاً حول القضايا الإنسانية المتصلة بالمواجهة النووية. ومع تشديد العقوبات الدولية على إيران، حاولت المنظمات غير الحكومية والنشطاء المحليون التخفيف من المعاناة وتسليط الضوء عليها (حتى لو لم يتمكنوا من انتقاد السياسة النووية نفسها علناً). فقد ناشدت مؤسسات كجمعية الهيموفيليا الإيرانية ومؤسسة الخَير للأمراض الخاصة علناً استثناء الأدوية وأطلقوا تحذيرات عندما أصابت النواقص المرضى [14] [14]. وساعدت مناصرتهم، بدعم المغتربين الإيرانيين في الغرب، في الضغط على الولايات المتحدة لإنشاء قناة تجارية إنسانية للأدوية والمعدات الطبية. كما ضغط مهنيون إيرانيون-أميركيون وأوروبيون-إيرانيون في الكواليس من أجل الدبلوماسية لحل المأزق النووي – لا حباً في النظام، بل قلقاً على الشعب العالق بين الطرفين. ففي 2013، وقّع أكثر من مئة أكاديمي إيراني حول العالم رسالة مفتوحة رحّبت بالاتفاق النووي المؤقت (الذي أصبح لاحقاً خطة العمل الشاملة المشتركة)، واصفين إياه بأنه «خطوة أولى تمنع الحرب وتفتح المجال للتقدم». وفي المقابل، حين بدأ ذلك الاتفاق ينهار عام 2018، حذّرت أصوات مجتمع مدني إيرانية – منها أمهات سجناء سياسيين واتحادات طلابية – من أنّ العودة إلى التوترات العالية لن تفعل سوى تمكين المتشددين وإيذاء الناس العاديين. وغالباً ما تضيع هذه الرؤى الشعبية في خضم التجاذبات الجيوسياسية، لكنها تؤكد حقيقة مهمة: شريحة كبيرة من المجتمع الإيراني لا ترى البرنامج النووي محصَّناً من النقاش، بل تعده سياسة كسائر السياسات – ينبغي مناقشتها وتعديلها إذا لزم الأمر لصالح الوطن.

في السنوات الأخيرة، ولا سيما خلال احتجاجات 2019 و2022، علا هتاف «لا غزة ولا لبنان – روحي فداء إيران!» – وهو شعار يرفض مشروعات النظام الخارجية المكلفة. وينطوي هذا الشعار على نقد للأولويات: إذ يتساءل المحتجون عن سبب استثمار الحكومة في الإيديولوجيا (سواء عبر ميليشيات إقليمية أو استعراض القوة النووية) بينما تُهمل الاحتياجات الأساسية في الداخل. وعلى الرغم من أنّ البرنامج النووي لا يُذكر صراحةً في تلك الهتافات، فإن المطلب الضمني هو الشفافية وحُكم يضع رفاه الشعب فوق المشروعات الضخمة. وما زالت الأصوات المستقلة تصر على أنّ مستقبل إيران يجب أن يقرره مواطنوها، لا دوائر سرّية من السلطة.

المقاومة والمجتمع المدني: أصوات ضدّ السرّية

على الرغم من القبضة المحكمة التي يفرضها النظام على الخطاب النووي، سعى طيف من فاعلي المجتمع المدني—من خبراء الشتات والعلماء المنشقّين إلى المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين المستقلّين—على مدى السنوات الماضية إلى التصدي للسرّية والدعاية المحيطة ببرنامج إيران النووي. وتمثّل جهودهم، وإنْ كُمِّمت كثيراً، سردية بديلة تُقدّم الشفافية والمساءلة ورفاه المواطنين الإيرانيين على صناعة الأساطير القومية أو المناورات الجيوسياسية.

داخل إيران تكاد الانتقادات العلنية للبرنامج النووي تكون من المحرَّمات؛ فقد خضعت التغطية المستقلة للقضية لرقابة صارمة، ويخاطر الصحفيون بالعقاب إذا تجرّأوا على التشكيك في السياسات الرسمية (أشارت منظمة مراسلون بلا حدود إلى أنّ السلطات الإيرانية قد قمعت التغطية المستقلة للملف النووي) [25] [25]. ومع ذلك، حاول بعض الأصوات الشجاعة إثارة القلق. فقد دعا سياسيون ومفكرون إصلاحيون، في مناسبات محدودة، الحكومة إلى النظر في تكاليف المواجهة النووية. وخلال حركة الاحتجاج الخضراء عام 2009، لمح قادة معارضة مثل مير حسين موسوي إلى أنّ الموقف النووي العازل للنظام يضرّ بالبلاد، وإنْ بصياغة حذرة. وفي مجلس الشورى، ناشد عدد قليل من النواب البراغماتيّين بهدوءٍ مزيداً من التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية تفادياً لعقوبات إضافية. غير أنّ المتشدّدين أسكتوا هذه الأصوات باتهامها بممالأة العدو. وبوجه عام، قُمِع النقاش الحقيقي حول البرنامج النووي داخل إيران؛ فقد سُجن صحفيون ومحلّلون تجاوزوا الخطوط الحمراء، ولم يلقَ نداء شيرين عبادي لإجراء حوار وطني بشأن الملف النووي—والذي دعمته مجموعات حرية الصحافة—أي استجابة، بينما التزم الإعلام الرسمي بالرواية الحكومية. حتى نشطاء البيئة اصطدموا بالدولة الأمنية: ففي 2018 سُجن عدد من باحثي الحياة البرية بتهم تجسّس لأنّ كاميراتهم قرب مواقع حساسة أثارت ريبة النظام في شأن التجسس النووي. كانت الرسالة للمجتمع المدني الإيراني واضحة: البرنامج النووي منطقة محظورة على التدقيق.

ومن ثمّ انتقلت المواجهة الحقيقية إلى الشتات الإيراني والمجتمع المدني الدولي. فقد عبّر إيرانيون بارزون في المنفى، بعيداً عن قمع طهران، بصراحة عن أثر الملف النووي في حقوق الإنسان والحياة اليومية. على سبيل المثال، تؤكد الحائزة جائزة نوبل للسلام شيرين عبادي أنّ انشغال المجتمع الدولي ببرنامج إيران النووي جاء على حساب حقوق الشعب الإيراني. وقالت: «لقد صرف المجتمع الدولي نظره عن مشكلة حقوق الإنسان في إيران ليركّز على البرنامج النووي»، مؤكدة أنّ الإيرانيين لا يجب أن «يدفعوا الثمن» مقابل سياسات النظام [25] [25]. وقد دعت عبادي وآخرون إلى مزيد من الشفافية في قرارات إيران النووية، بل واقترحوا استفتاءً وطنياً حول ما إذا كان المشروع، بكل تكاليفه، ينبغي أن يستمر. وردّدت منظمات حقوق الإنسان هذه المطالب، مبيّنةً أنّ الحكومة تتذرّع بـ«السيادة الوطنية» لتبرير السرّية، فيما يتحمّل المواطنون أعباء العقوبات والقمع. في 2014، ناشد ائتلاف من منظمات المجتمع المدني الإيراني الأمم المتحدة الضغط على طهران لمزيد من الانفتاح بشأن أنشطتها النووية، رابطين انعدام الشفافية بالقمع الأوسع للحريات المدنية. وكان مطلبهم بسيطاً: لا يجوز أن يُحدَّد مصير البرنامج النووي خلف أبواب مغلقة بيد مسؤولين غير خاضعين للمساءلة؛ بل يجب أن يُشرك فيه شعب إيران.

أدّى الصحفيون المستقلّون والمنفيون دوراً محورياً في الالتفاف على التعتيم الذي تفرضه طهران. فالقنوات الناطقة بالفارسية في الخارج—مثل «بي بي سي فارسي» و«راديو فردا» و«إيران إنترناشيونال»—تنشر بانتظام ما تحجبه وسائل الإعلام الرسمية. فقد كشفت تفاصيل خفيّة عن حوادث نووية، وسرّبت وثائق حول أنشطة سرّية، وقدّمت منبراً لخبراء يشككون في ادعاءات الحكومة. فعندما وقع انفجار غامض في مجمع بارجين العسكري عام 2014 (اشتبه في صلته بتجارب نووية)، لزمت السلطات الإيرانية الصمت؛ بينما نشرت وسائل الإعلام في الشتات صور الأقمار الصناعية وتحليلات الخبراء التي رجّحت وقوع حادث أو هجوم، ما اضطر النظام إلى الاعتراف. وهذه المنصّات تبرز أيضاً أصوات مسؤولين وعلماء حاليين وسابقين يفضّلون نهجاً أقل تصادمية. ومع أن إفشاء الأسرار خطر داخل إيران، فإن بعض العلماء عبّروا، بعد اللجوء إلى الخارج عادةً، عن شكوكهم حول جدوى المشروع. ومن الأمثلة البارزة الكشف الذي قدّمه المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية عام 2002 عن منشآت نووية سرّية في نطنز وأراك [11]، وهو حدث عجّل بالتفتيش وأثبت افتقار النظام للشفافية حتى في مواقع استراتيجية كبرى.

تحشد منظّمات المجتمع المدني كذلك حول القضايا الإنسانية المتصلة بالأزمة النووية. ففي ظل ضغط العقوبات، حاولت المنظمات غير الحكومية والنشطاء المحليون التخفيف من المعاناة وتسليط الضوء عليها. فقد ناشدت جمعية الهيموفيليا الإيرانية ومؤسسة رعاية الأمراض الخاصة علناً استثناء الأدوية، وأطلقتا تحذيرات حين أصابت النواقص المرضى [14] [14]. وساعد دعم الشتات الإيراني في الغرب هذه الجهود على الضغط لإيجاد قناة إنسانية لتوريد الدواء. كذلك ضغط محترفون إيرانيون-أميركيون وأوروبيون-إيرانيون وراء الكواليس لدفع الدبلوماسية قدماً، حرصاً على الشعب لا النظام. ففي 2013، وقّع أكثر من مئة أكاديمي إيراني حول العالم رسالة رحّبت بالاتفاق النووي الموقت، واعتبرته «خطوة أولى تمنع الحرب وتفتح مجالاً للتقدم». وعندما بدأ الاتفاق يتفكك في 2018، حذّرت أصوات مدنية—بينها أمهات سجناء سياسيين واتحادات طلابية—من أنّ العودة إلى التوتر لن تزيد إلا من تمكين المتشدّدين وإيذاء الناس العاديين. وعلى الرغم من تجاهل هذه الرؤى أحياناً في خضم التجاذبات الدولية، فإنها تؤكد أنّ شريحة معتبرة من المجتمع الإيراني لا تعدّ البرنامج النووي مقدساً بل سياسة قابلة للنقاش والتعديل.

خلال احتجاجات 2019 و2022، علت هتافات مثل «لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران»، رافضةً مشروعات النظام الخارجية المكلفة. وينطوي الشعار على نقد للأولويات: لماذا تستثمر الحكومة في الأيديولوجيا—من ميليشيات إقليمية إلى استعراض نووي—بينما تهمل الاحتياجات الأساسية في الداخل؟ ورغم أن البرنامج النووي ليس مذكوراً صراحةً، فإن المطلب الضمني هو الشفافية وحكم يضع رفاه الشعب فوق المشروعات الضخمة. وما زالت الأصوات المستقلة تصر على أنّ مستقبل إيران ينبغي أن يقرره مواطنوها لا دوائر سرّية.

مجتمعةً، تشكّل جهود هذه الأطراف نوعاً من «المقاومة الناعمة» في مواجهة دولة الأمن الصلب. فهي تطرح سردية تقيس قوة إيران بصحة شعبها وحريته وازدهاره لا بمخزون الطرد المركزي. وتظل هذه الرؤية مهمّشة تحت حكم جمهورية إسلامية استبدادية، لكنها تبقى حاضرةً في الرسائل والعرائض والبثّ والمنتديات الدولية، مذكّرةً العالم—والإيرانيين أنفسهم—بأن ثمة إيران أخرى تريد السلام والحياة الطبيعية والحكم المسؤول. وفي الصراع الطويل حول البرنامج النووي، قد يغدو لهذه الأصوات أثر حاسم، ولا سيما في مستقبل ما بعد الجمهورية الإسلامية حين يمكن أخيراً إطلاق حوار عام حول الأولويات الوطنية.

تركيب: قوة ناعمة وعواقب صلبة

خلال الفترة الممتدة من 1979 إلى 2025—مع تسليم (في المنصب حتى ) السلطة إلى حكومة تصريف أعمال برئاسة —تكشف مسيرة برنامج إيران النووي مفارقة لافتة. فقد بنى النظام بعناية أسطورة وطنية حول البرنامج بوصفه مصدراً لقوة البلد الناعمة، غير أنّ السعي إلى هذه الأسطورة ألحق عواقب صلبة بأمن إيران ومجتمعها والثقة في حوكمتها. استخدمت الجمهورية الإسلامية القضية النووية أداة لإلهام الفخر وحشد الدعم السياسي والمطالبة بالاحترام الدولي، لكنها في المقابل فرضت ثمناً باهظاً على الاقتصاد والمؤسسات العلمية ورفاه الشعب.

أضحى البرنامج النووي ركناً محورياً في سردية القوة الناعمة للجمهورية الإسلامية. محلياً، رُوِّج له رمزاً للبراعة العلمية والاستقلال، ورداً متحدياً على قرن من الهيمنة الأجنبية. ساعد هذا السرد النظام على إضفاء قدر من الشرعية على نفسه، إذ صوّر نفسه حارساً لمصير وطني فخور، واعتبر أي تسوية خيانة. واستخدمت أجهزة الإعلام والثقافة الرسمية البرنامج النووي مفهوماً شبه مقدس، مستحضرةً المظالم التاريخية والرموز الدينية لإضفاء صدى عاطفي. بهذا المعنى، وفّر البرنامج مكاسب قوة ناعمة: شعاراً موحِّداً يعزز أيديولوجيا النظام ويميّز إيران على المسرح العالمي.

غير أنّ واقع أثر البرنامج بدا أكثر قتامة بكثير. دولياً، أدّت إصرار إيران على تعظيم قدراتها النووية—غالباً بسرية وبصور استفزازية—إلى عقوبات شديدة وعزلة دبلوماسية وهجمات سرّية على أرضها. وصار درع الكرامة الوطنية سبباً لمواجهات قوة صلبة جعلت إيران أكثر عرضة للتهديد من عدة أوجه. وللإيرانيين العاديين، لم تتحول المغامرة النووية إلى منافع ملموسة؛ بل جلبت أعواماً من الحرمان الاقتصادي والركود التقني نتيجة العقوبات وحظر التجارة. داخلياً، برر المكانة المقدسة للبرنامج جواً من القمع والسرية. فبارانويا النظام حيال المؤامرات الخارجية والمعارضة الداخلية—باسم حماية المشروع—قوّضت الثقة العامة. شاهد الإيرانيون قادتهم يكذبون في أحداث حاسمة، وتعلموا استقبال التصريحات الرسمية بقدر من التشكك. وباختصار، قوّض التركيز المستمر على البرنامج النووي الأمن الناعم—أي الرابطة بين الدولة والمجتمع—الذي يشكل حجر أساس متانة الأمة. فصار المشروع الذي يفترض أن يقوي إيران مصدراً للانقسام والشك بين أبنائها.

ربما كانت أكثر العواقب مأساوية هي كيف أنّ السعي النووي قوّض الإمكانات البشرية والعلمية لإيران. فقد أدّى رفض الحكومة كبح طموحاتها النووية إلى عقوبات دمّرت الاقتصاد وخفّضت مستوى المعيشة – إذ يكافح الإيرانيون مع ارتفاع الأسعار، ونقص الرعاية الصحية، والبطالة في بلد من المفترض أن يكون غنيّاً. وفي الوقت نفسه أفرغت أجواء الانضباط الأيديولوجي والعزلة الدولية الأوساط الأكاديمية والبحثية؛ إذ هاجر آلاف المواطنين ذوي التعليم العالي طلباً لفرص أفضل، وهي خسارة ستلاحق إيران لأجيال. وفي مفارقة قاسية، انتهى السعي إلى تحقيق «التقدّم النووي» إلى تقييد تقدّم إيران الأوسع من خلال تحويل الموارد وإثارة عقوبات قطعت البلاد عن المعرفة والتجارة العالميتين. إنّ موت العلماء اللامعين (بالاغتيال أو بالهجرة) وقمع البحث المفتوح يمثّلان جرحاً ذاتياً لمسيرة التنمية في إيران، وكلّها أضرار جانبية لهوس النظام النوويّ.

أخيراً، أدخلت ملحمة إيران النووية عهداً جديداً من حرب المعلومات. فقد انخرط كلٌّ من النظام وخصومه في حملات لتشكيل السرديات والتصوّرات – من دعاية الشهادة المتقنة إلى تسريبات سرّية حول أسرار إيران. وفي هذه المعركة على العقول كثيراً ما كانت الحقيقة ضحية؛ فانتشار المعلومات المضلِّلة والدعاية، مع قمع الإعلام المستقل، ترك العديد من الإيرانيين مغتربين عن أي رواية تُعرض عليهم. إنّه تذكير كئيب بأنّ محاولة الدولة بسط القوة عبر صناعة الأساطير قد ترتدّ عليها بتدمير مصداقيتها في عيون مواطنيها.

ختاماً، يقف برنامج إيران النووي دراسة حالة في التفاعل المعقّد بين القوة الناعمة والعواقب الصلبة. لقد وظّفت الجمهورية الإسلامية البرنامجَ مصدراً للهيبة والأدلجة، لكن هذه الاستراتيجية جاءت بتكاليف جسيمة: إذ قوّضت الأمن الاقتصادي والإنساني، وأضعفت العقد الاجتماعي، وأغرقت البلاد في حالة دائمة من الصراع والريبة منخفضَي الحدة. وأيّ محاولة مستقبلاً للتوفيق بين سعي إيران إلى التكنولوجيا المتقدمة ورفاه شعبها ستتطلّب مقاربة مختلفة جذرياً – قائمة على الشفافية والبراغماتية واحترام صوت المواطنين. فلن تتمكّن إيران من تحويل قدراتها النووية، التي كابدت للحصول عليها، إلى قوّة حقيقية تعود بالنفع على المجتمع إلا بإعادة صياغة السرد بعيداً عن المواجهة والسرّية ونحو المساءلة والسلام. وكما تُظهر التجربة الإيرانية، تُقاس القوة الوطنية الحقيقية لا بعدد أجهزة الطرد المركزي ولا بالشعارات، بل بما ينعم به شعب البلاد من ازدهار وحرية وثقة.



المراجع


  1. [1] Iran’s Nuclear Policy: A Cognitive Study on Defiance and Compliance – CEJISS (2019)

  2. [2] Middle East Strategic Perspectives No. 1 – National Defense University/INSS (2013)

  3. [3] Iranian Textbooks Incite Extremism, Promote Nuclear Ambition – FDD Long War Journal (مارس 2021)

  4. [4] Schliebitz, Marc. Shaping Perceptions: The Role of the Media in Iran’s Foreign Policy – Canadian Forces College (2012)

  5. [5] PressTV Profile – Iran’s Media Empire (UANI, 2020)

  6. [6] Mahdavirad, Fatemeh. Attitudes in Iranian vs. Western Media Coverage of the Iranian Nuclear Issue – Academia.edu (2015)

  7. [7] Armbruster, Ben. How US media manipulates Iran’s nuclear program into a sinister myth – ResponsibleStatecraft.org (ديسمبر 2020)

  8. [8] Pollock, David. Polarized Arab Reactions to the Iran Nuclear Framework – Washington Institute (أبريل 2015)

  9. [9] Iran says it obtained sensitive Israeli nuclear documents – Reuters (7 يونيو 2025)

  10. [10] Winer, Stuart. Iran film details “covert war” against its nuke program – Times of Israel (نوفمبر 2014)

  11. [11] Gerami, Nima & Goldschmidt, Pierre. IAEA Decision to Find Iran in Non-Compliance (2002–2006) – Carnegie Endowment (ديسمبر 2012)

  12. [12] Rasoulinejad, Rasoul, وآخرون. How Have Sanctions Impacted Iran’s Welfare? – RethinkingIran.com (يونيو 2023)

  13. [13] Gardner, Timothy. U.S. sanctions on Iran threaten access to medicine – report – Reuters (أكتوبر 2019)

  14. [14] Dehghan, Saeed K. Haemophiliac Iranian boy dies after sanctions disrupt medicine – The Guardian (نوفمبر 2012)

  15. [15] UN Human Rights Council. Sanctions & COVID-19 in Iran – UN Meeting Summary (مارس 2021)

  16. [16] Shalal-Esa, Andrea. Iran boosted cyber capabilities after Stuxnet – Reuters (يناير 2013)

  17. [17] Purge of Independent-Minded Professors Underway – Center for Human Rights in Iran (أبريل 2010)

  18. [18] VOA News (عن VOA Persian). 25% of Iranian university professors have emigrated (نوفمبر 2024)

  19. [19] Sadeh, Sadra, وآخرون. The Scientific Output of Iran: Quantity, Quality, and Corruption – Stanford Iran 2040 Project (فبراير 2019)

  20. [20] Khamenei.ir. Supreme Leader’s message on martyrdom of Mohsen Fakhrizadeh (نوفمبر 2020)

  21. [21] Times of Israel (Staff). Widow of slain Iran nuclear scientist… (نوفمبر 2020)

  22. [22] Jewish Journal. Wife of slain Iranian scientist: “Annihilation of Israel” (فبراير 2012)

  23. [23] Tehran Times. “Day of Armita” highlights scientist’s assassination at Fajr Festival (فبراير 2021)

  24. [24] Human Rights Watch. “Maximum Pressure”: US Sanctions Harm Iranians’ Right to Health (أكتوبر 2019)

  25. [25] Ebadi, Shirin. Iran nuclear programme overshadows rights – Reuters (أغسطس 2007)

  26. [26] Iran Takes Its Global Wars to the Movies – New Lines Magazine (2021)

This page is also available in: English فارسی Georgian (Georgia) עברית

hadi khabbaznouri
hadi khabbaznouri
Articles: 2374

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *