في العلن عداوة، وفي السر تفاهم: طهران ترد على ترامب في الخفاء

في أحد أحدث المشاهد السياسية لنظام الجمهورية الإسلامية، أعلن وزير الخارجية آنذاك، عباس عراقجي، رسميًا أن رد إيران على رسالة دونالد ترامب تم إرساله إلى البيت الأبيض عبر عمان. ولكن هذا الإجراء ليس خطوة دبلوماسية حقيقية، بل مظهر آخر من مظاهر الارتباك والنفاق والمأزق السياسي الذي تتشبث به الجمهورية الإسلامية منذ أكثر من أربعة عقود، تحت رايات شعاراتها المتطرفة المناهضة لأمريكا.

بينما تتفاخر وسائل الإعلام الرسمية بـ”صلابة” القائد ورفضه للمفاوضات مع “الحكومات المتسلطة”، يجري خلف الكواليس إرسال واستلام رسائل ومقترحات تفاوض عبر وسطاء إقليميين مثل عمان وقطر وحتى الإمارات. رسالة ترامب كانت إحدى هذه الحالات، حيث نقلها أنور قرقاش إلى عراقجي — وهو ما يكشف أن النظام لا يرفض التفاوض، بل يفضّل أن يجريه في الظلام.

خامنئي رد على رسالة ترامب بـ”لا” مدوية كما كان متوقعًا، لكن خلال أيام فقط، أُرسلت رسالة مكتوبة إلى واشنطن عبر قنوات وسيطة. السؤال: إذا كانت المفاوضات مع “المستكبرين” خطًا أحمر، لماذا يرد النظام؟ هل هذا إلا تكرارًا للسياسة المزدوجة التي يستخدمها النظام لخداع الإيرانيين والعالم؟

منذ عقود، تتبع الجمهورية الإسلامية سياسة “موت لأمريكا” علنًا، لكنها تتفاوض معها سرًا. موقفها من رسالة ترامب مثال كلاسيكي لتكتيك قديم: الحفاظ على السلطة والشرعية من خلال خداع الرأي العام، وليس من أجل السلام.

ترامب اقترح مفاوضات مباشرة، وحدد وفقًا لـAxios، مهلة شهرين لاتفاق نووي جديد. ولكن بدلاً من الرد بشفافية، أرسلت إيران ردًا غامضًا وغير شفاف، مؤكدًة بذلك استمرار سياسة المماطلة والتعليق.

في الوقت ذاته، أعلن مسؤولون مثل عراقجي وخرازي أن المفاوضات غير المباشرة ما زالت ممكنة — ما يؤكد أن النظام لا يرفض التفاوض، لكنه يصر على أن يبقى خفيًا عن الشعب.

رغم أن خامنئي وصف المفاوضات مع أمريكا بالخيانة والضعف، إلا أن قنوات التفاوض لم تُغلق قط — من محادثات أوباما السرية في عمان إلى مداولات غير رسمية مع إدارات ترامب وبايدن.

هذا النفاق السياسي أضعف ثقة المجتمع الدولي، وترك الشعب الإيراني أمام أسئلة بلا أجوبة: لماذا لا يعلن النظام مفاوضاته رسميًا؟ لماذا لا تُعرض الرسائل والاتفاقيات السرية على الناس؟

منذ انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي عام 2018، زادت إيران من تخصيب اليورانيوم بشكل كبير، وتمتلك اليوم مواد تكفي لصنع عدة قنابل نووية، بينما تتهرب من الرقابة الدولية. وفي الوقت ذاته، تواصل إرسال رسائل تفاوض عبر عمان.

الشعب الإيراني الذي يعاني من العقوبات، والانهيار الاقتصادي، والقمع الداخلي، والفساد، من حقه أن يعرف ما يحدث خلف الأبواب المغلقة. رسالة ترامب ورد طهران هما مجرد مثال على مئات الاتصالات السرية التي تجري تحت ستار الدعاية الراديكالية.

لو كانت الجمهورية الإسلامية تؤمن فعلًا بشعاراتها، لأعلنت علنًا عن ردها، وشرحت لماذا تفاوض سرًا، ولماذا تستمر في سياسة “شعارات في الداخل، وصفقات في الخارج”.

في خطابه بعيد النوروز، قال خامنئي لأمريكا: “لن تصلوا إلى أي مكان” و”ستتلقون صفعة” — لكن الحقيقة هي أن الصفعات وجهت للشعب الإيراني نفسه، على شكل تضخم، وبطالة، وهجرة العقول، وقمع احتجاجات، وانهيار الأمل في المستقبل.

التاريخ سيحكم على نظام ادعى المقاومة والسلطة، لكنه في الواقع كان خائفًا من الشفافية، ومن شعبه، ومن عقدة صنعها بنفسه ولم يجرؤ على فكها.

This page is also available in: English فارسی Georgian (Georgia) עברית

hadi khabbaznouri
hadi khabbaznouri
Articles: 2374

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *