في حادثة غير مسبوقة تثير القلق بشأن الأمن القومي الأمريكي، انضمّ رئيس تحرير مجلة The Atlantic، جيفري غولدبيرغ، عن طريق الخطأ إلى مجموعة دردشة خاصة على تطبيق Signal، كان يستخدمها كبار المسؤولين في إدارة ترامب للتخطيط لهجمات عسكرية ضدّ الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن.
تضمنت المجموعة التي حملت اسم “المجموعة الصغيرة الحوثية PC” شخصيات بارزة مثل مستشار الأمن القومي مايكل والتز، وزير الدفاع بيت هيغسث، نائب الرئيس جي دي فانس، ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين في الأمن القومي.
غولدبيرغ، الذي اعتقد في البداية أنّه تلقى دعوة رسمية، انضم إلى المجموعة، ليكتشف لاحقاً أنّ النقاشات الجارية كانت تتعلق بتفاصيل خطيرة وحساسة للغاية، شملت توقيتات الهجوم، أنواع الأسلحة، الأهداف المحددة، وتقديرات سياسية واقتصادية مرتبطة بالضربة.
الأمر المثير للدهشة هو أنّ أحداً من أعضاء المجموعة لم يلاحظ وجود شخص غير مخوّل، مما سمح لغولدبيرغ بمتابعة النقاش الكامل دون أن يُسأل عن هويته.
البيت الأبيض يؤكد والمساءلة تبدأ
أكد المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، براين هيوز، صحة الرسائل، وأعلن فتح تحقيق في كيفية إضافة شخص غير معني إلى مجموعة حساسة كهذه. واعتبر في تصريحه أن المحادثات تعبّر عن “تنسيق سياسي عميق ومتقن”، مدعياً أن العملية نجحت ولم تشكل أي تهديد للأمن القومي.
أما وزير الدفاع بيت هيغسث، فهاجم غولدبيرغ واصفاً إياه بـ”المخادع”، ونفى مشاركة أي خطط حربية عبر الرسائل، رغم أنّ لقطات الشاشة التي نشرتها الأتلانتيك تُظهر عكس ذلك تماماً.
الكونغرس يثور
الرئيس ترامب أعرب في البداية عن عدم معرفته بالحادثة، لكن لاحقاً أكّد البيت الأبيض أنه تمّ إبلاغه. قادة الحزب الديمقراطي في الكونغرس، وعلى رأسهم تشاك شومر، اعتبروا هذه الواقعة “واحدة من أخطر خروقات المعلومات العسكرية في العقود الأخيرة.”
السيناتورة إليزابيث وارن والسيناتور كريس كونز أدانا استخدام تطبيقات عامة مثل Signal لمناقشة قضايا أمن قومي، واعتبرا ذلك “غير قانوني وخطير للغاية.”
من المقرر عقد جلستي استماع في الكونغرس، بحضور مديرة الاستخبارات تولسي غابارد، التي كانت أيضاً عضوة في مجموعة الدردشة.
خلل بنيوي في التعامل مع الأمن
ورغم أن تطبيق Signal معروف بتقنياته العالية في التشفير، فإنه ليس مصرحاً باستخدامه لتداول معلومات سرية أو مصنفة. ويقول خبراء قانونيون أن ما حدث قد يكون انتهاكاً لقانون التجسس الأمريكي، خصوصاً إذا تم تداوله عن قصد أو دون اتخاذ إجراءات حماية كافية.
الأكثر خطورة، أن بعض الرسائل كانت مُعينة مسبقاً للحذف بعد أسبوع أو أربعة، مما يطرح تساؤلات حول خرق قوانين السجلات الفيدرالية، التي تُلزم المسؤولين بحفظ وتوثيق أي مراسلات تتعلق بمهامهم الرسمية.
تناقض سياسي صارخ
في مفارقة لافتة، فإن إدارة ترامب التي هاجمت بشدة هيلاري كلينتون بسبب استخدامها لخادم بريد إلكتروني خاص خلال فترة توليها وزارة الخارجية، تواجه الآن فضيحة أكثر خطورة تتعلق بتسريب خطط حربية فورية من خلال تطبيق هاتف جوال، بحضور صحفي.
الأزمة أعمق من مجرد “خطأ تقني”
ما حدث لا يمكن وصفه بمجرد “سوء تقدير تقني”، بل هو تجسيد لأزمة بنيوية في تقدير المخاطر والمسؤوليات داخل أعلى مستويات السلطة. صحفي انضمّ دون قصد إلى غرفة عمليات افتراضية تناقش ضربات عسكرية، ولم ينتبه أحد.
مع تصاعد التوتر والتحقيقات المقبلة في الكونغرس، من المرجح أن تشكّل هذه الواقعة نقطة تحوّل في مراجعة بروتوكولات التواصل داخل الحكومة الأمريكية. ولكن يبقى السؤال الأكثر إرباكاً: من يشكل الخطر الأكبر على الأمن القومي؟ الخصوم الخارجيون، أم الإهمال الداخلي؟
This page is also available in: English
فارسی
Georgian (Georgia)
עברית
